أسعار الفوائد ترتفع: الفقر يطرق الأبواب

  • محليات
أسعار الفوائد ترتفع: الفقر يطرق الأبواب

مع تسارع ارتفاع أسعار الفوائد خلال عامي 2017 و2018، بدأت الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءاً. الفوائد التي تتجه لأن تصبح مباشرة وعلنية - تعيد التذكير بحقبة مطلع التسعينات - أثرها كارثي على القطاعات الاقتصادية، أما اثرها الاجتماعي، فيلخّصه الوزير السابق شربل نحاس بالقول: المزيد من الفقر!

منذ نحو سنة ونصف السنة، بدأت أسعار الفوائد في لبنان ترتفع في شكل متسارع. أبرز الارتفاعات سجّلت في الفترة التي تلت احتجاز رئيس الحكومة سعد الحريري في السعودية في مطلع تشرين الثاني الماضي، حين ازدادت معدلات الفوائد على الودائع بما بين نقطتين وثلاث نقاط مئوية. لاحقاً، ازدادت بنحو نقطة مئوية إضافية... ولم يطل الأمر، حتى تبيّن أن أحد المصارف أصدر منتجاً يعرض فيه على الزبائن فوائد تصل إلى 15% مقابل تجميد الأموال لخمس سنوات بالليرة اللبنانية.

في اللقاء الشهري الأخير بين جمعية المصارف وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، برّر الأخير هذا الارتفاع في الفوائد على الودائع بأنه يوازي مردود سندات الخزينة بالدولار (يوروبوندز) البالغ 9%، وتضاف إليه كلفة التأمين على الدين اللبناني البالغة 6%، أي ما مجموعه 15%... كل هذا يعني أن الفوائد على القروض ارتفعت بدورها إلى مستويات مخيفة. على سبيل المثال، لا تقل معدلات القروض الشخصية بالليرة عن 15%، وقروض السيارات الجديدة بالدولار لا تقل عن 6%، والفائدة على التسهيلات المصرفية للشركات بالدولار لا تقل عن 9%.

هذه بعض نماذج السوق اليوم. في ضوء هذه المعطيات المتداولة، تروّج بعض التحليلات لقرب حصول «الأسوأ» بالاستناد إلى أسباب ارتفاع أسعار الفوائد وأثرها المالي والاقتصادي والاجتماعي، وارتباطها بالفوائد العالمية والعوامل المحلية.

الفوائد المستترة

من أبرز مرتكزات النموذج الاقتصادي اللبناني أنه يترك هامشاً واسعاً بين أسعار الفوائد المحلية والأسعار العالمية بما يتيح له استقطاب رؤوس الأموال بالعملات الأجنبية. هذا يعني أن العناصر المؤثّرة في أسعار الفوائد ليست محليّة فقط، بل هي خارجية أيضاً ولا يمكن التحكّم فيها. وفي ظل هذا النموذج، تضعف القدرة على التحكّم بالهامش الذي كان يتراوح بين نقطتين أو ثلاث نقاط مئوية، إلى حدود ضيّقة جداً، لا بل إن هذا الهامش يتّسع كلما ارتفعت الفوائد العالمية.

بالإضافة إلى العوامل الخارجية «ثمة عوامل أخرى متصلة بالأخطار السيادية للبنان بعد ارتفاع الأخطار السياسية والأمنية محلياً وإقليمياً، ما كان له أثر واضح في ارتفاع أسعار الفوائد المحلية، إضافة إلى سياسة مصرف لبنان النقدية والمالية، لذلك، بات من الواضح أن المصارف تحصل على مردود جيّد جداً من توظيف الأموال لديه (مصرف لبنان) يصل إلى 15% وبالتالي باتت هناك مصلحة في استقطاب الدولارات من الزبائن وتحويلها إلى حسابات بالليرة يحصلون مقابلها على فوائد تتراوح بين 11% و12%» بحسب رئيس تجمع رجال الأعمال فؤاد زمكحل.

هكذا بات واضحاً أن الهامش يتّسع أكثر. السبب يكمن في العبء الذي يتركه ارتفاع أسعار الفوائد على اقتصاد تتآكل فيه النسبة الكبيرة من مداخيل الأسر بالمديونية، وتساوي فيه مديونية الشركات أكثر من 110% من الناتج المحلي الإجمالي. يعني ذلك أن اللبنانيين، أفراداً وشركات، يعيشون على الدين. هم أصلاً فقراء لكن فقرهم كان مستتراً وراء ديون مصرفية وديون سوقية «كلما ارتفعت أسعار الفوائد انكشفت هذه الديون أكثر وازداد فقرهم أكثر» وفق الوزير السابق شربل نحاس.

وسائل «المركزي» الملتوية

استنتاج نحاس يستند إلى قراءته لما حصل منذ التسعينات إلى يومنا هذا. في تلك الفترة، أي بعد انهيار سعر صرف الليرة وارتفاع أسعار الفوائد إلى مستويات غير مسبوقة، بدأ العمل على خفض أسعار الفائدة وتحويل جزء منها إلى فائدة مستترة عبر وسائل ملتوية، تارة يكون عنوانها مؤتمرات الدعم في باريس وتارة عنوانها الهندسات المالية، ومرة أخرى يكون عنوانها الدعم العربي... «إحدى أبرز الطرق الملتوية هي تلك الهندسات المالية التي بدأت قبل نحو سنتين. هي تبقي أسعار الفوائد المعلنة على حالها، لكنها تعطي امتيازات مالية أكبر بكثير مما تعطيه هذه العمليات، أي أنها تنطوي على فوائد مكتومة. فلنأخذ مثلاً الاستدانة بالدولار. استجلبنا الدولارات من الخارج بعدما أعلنا على الملأ أن هذه السندات تخضع لمحاكم نيويورك، ما أعطى حاملي هذا السند امتيازاً على بقية الدائنين بالحصول على أموالهم قبل حاملي سندات الخزينة الأخرى، في حال توقف الدولة عن السداد» وفق نحاس.

هكذا بدأت تتراكم الحيل فوق الأخرى «وأصبح لدينا عدد هائل من الحيل التي نجحت في التستر على الفوائد المدفوعة فعلياً. هو ليس تستّر على الفوائد فقط، بل هو تستّر على العجز البنيوي في لبنان والكامن في الحاجة الماسة لاستقطاب الدولارات من الخارج. كلفة استقطاب الدولارات قد تنطوي على امتيازات أو أكلاف مبطّنة سواء كانت سندات أو مؤتمر دعم أو هندسات مالية أو سواها من الطرق».

سقوط الحيل: الإفقار

العودة اليوم إلى رفع أسعار الفوائد بشكلها العلني، تعني، وفق نحاس، سقوط الحيل والوسائل الملتوية لاستقطاب الدولارات واضطرار مصرف لبنان إلى العودة للوسائل التقليدية. «يوم انفجرت الأزمة المالية العالمية في نهاية 2008، انخفضت الفوائد العالمية وساعدتنا على التستر أكثر على معدلات الأسعار العالمية وساهمت في اجتذاب الدولارات من الخارج. أما اليوم فالأمر معاكس تماماً، وما كان يصلح سابقاً لاستعماله غطاء يخفي الكلفة الحقيقية التي ندفعها على الاستدانة، أصبح يصلح أكثر لكشف الأسعار الفعلية في السوق».

ينظر نحاس إلى انعكاسات انكشاف أسعار الفائدة الفعلية في السوق من الزاوية التالية: الاقتصاد كان يتحمل أعباء الفوائد المباشرة والمستترة منذ مطلع التسعينات إلى اليوم، وارتفاع الأسعار بشكلها المباشر اليوم يزيد الأعباء، لا سيما بعدما تعطّلت آليات الضخ الدائمة مثل القروض المدعومة للقطاعات، خصوصاً للقطاع العقاري. في حالة الفوائد المستترة، كانت الكلفة مدفوعة بشكل ملتو عبر الضرائب وعبر تقليص القوة الشرائية وخفض سعر العملة وتقلّص الثروة عند غالبية الشرائح مقابل تركّزها ضمن شريحة محدودة، أما في حالة الفوائد المعلنة فإن أثرها أكثر وضوحاً لجهة تزايد فقدان الثروة وارتفاع تركّزها. كان الفقر يختبئ وراء الديون، أما اليوم، فسيصبح مكشوفاً أكثر مع ارتفاع نسبة الديون المتعثّرة والإفلاسات والتصفية... بمعنى آخر هناك المزيد من الفقر».

انكماش استثماري

هناك زوايا أخرى يمكن من خلالها قراءة ارتفاع أسعار الفوائد. بحسب رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق عبد الحليم فضل الله، فإن الأثر المعروف لارتفاع الفوائد يكمن في الجمود والانكماش الاستثماري. «التجربة في لبنان طوال السنوات الماضية أثبتت وجود علاقة قوية بين ارتفاع أسعار الفوائد وبين الانكماش الاستثماري، فالاستثمارات كانت تشكل اكثر من 23% من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنها بسبب ارتفاع الفوائد انخفضت اليوم إلى أقل من 20%».

ويلفت فضل الله إلى مصدر ثان للخطر الناجم عن ارتفاع أسعار الفوائد «في حال عدم وجود تدابير محددة، فارتفاع أسعار الفوائد سيجرّ معه ارتفاعاً في أسعار السندات ويؤثّر في كلفة الاستدانة. المصارف تحمل جزءاً كبيراً من مديونية الدولة والاستمرار في تمويل هذه السندات في ظل ارتفاع الفوائد، يتطلب أن يعود مصرف لبنان إلى آلية حسم السندات أو يتحمل كلفة الفرق في الفائدة بين ما تدفعه المصارف على الودائع وبين كلفة السندات».

الانكماش الاستثماري، بحسب فضل الله، سيصيب وحدات الأعمال الصغيرة غير القادرة على تحسين شروطها التفاوضية مع المصارف للحصول على فوائد أقل خلافاً لقدرة الشركات الكبيرة التي يمكنها أن تتفاوض مع المصارف. ومع أن الصناعة والزراعة وبعض الشركات التي توفّر خدمات إنتاجية، حصّتها قليلة من التسليفات، إلا أنها ستتأثّر بارتفاع أسعار الفوائد وستكون قدرتها على الاستدانة متدنية.

المصدر: الأخبار