إلى الجبير... مصارف لبنان نظيفة!

  • إقتصاد
إلى الجبير... مصارف لبنان نظيفة!

في أقل من شهر، إضطرب لبنان سياسيا وإقتصاديا وماليا على وقع خطوات حائرة وضعته خارج السياق العربي، ليتجه نحو أفق غير محدّد المعالم، ومن دون أن يرفّ جفن له على إقتصاد يتهالك في مشوار الشهر الأخير من عام لم ينجح في تلقف "إنجازات" العهد في سنته الأولى، وتعثّر في لملمة تداعيات ما واجه من صدمات.

إستقال رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري بداية الشهر (تشرين الثاني/نوفمبر)، وتريث بعد أسبوع، ويكاد يتراجع عنها بعد ثلاثة أسابيع. لم يحمل خطابه السياسي مواقف حاسمة تؤكد مبررات الإستقالة أو تنفيها وفقا للجديد من المعطيات. لا قاعدة ثابتة تتيح هذا التغيير في موقف رأس الحكومة من الحرب التي تشنّها المملكة على "حزب الله" وإيران، والتي إنسحبت موقفا عربيا خرّجته بنفور واضح، مواقف لقاء القاهرة في إطار الجامعة العربية.  ولا تسوية سياسية واضحة المعالم بعد تسمح للحريري بتبديل نبرة تصريحاته بين بيروت والخارج.

في أسابيع، إختلط المشهد على اللبنانيين، فضاعت قراءاتهم وتوقعاتهم ما بين التطورات المتسارعة من الرياض حتى بيروت، ومن باريس حتى طهران وواشنطن. وحده الصاروخ البالستي الثاني الذي صدّته المملكة منتصف الأسبوع، أوحى بأن التصعيد المرتقب ضد "حزب الله" وتاليا "حكومة لبنان" التي يشارك فيها، لن يتوقف، وربما يُترجم قريبا بإجراءات مؤلمة تبدأ من ترحيل العمالة اللبنانية في الخليج وقد لا تنتهي بتجميد الإستثمارات المباشرة وغير المباشرة في السوق اللبنانية.

هي "غيمة" ستزول حتما، لأن التاريخ جمع ما بين بيروت والرياض، ولن تنجح السياسة في تفريقهما. فحرب الأخوة، إن جازت التسمية، عمرها قصير. ولا يدوم إلا "الحقيقي" من الروابط والتي يقرّ البلدان بأن قوتها "تنخر العظم". ومن المؤكد أن إقتصاد لبنان، وهو المتضرّر الأكبر، لن يشهر إفلاسه في هذه الفترة الإنتقالية من عمر المنطقة، بعد خبرة طويلة إمتحنت مرونته ومقومات الصمود لديه، وإن تدنت معدلات نموّه السنوي إلى الصفر أو ما دون.

فمصارف لبنان منيعة، وستبقى كذلك، حتى وإن دلّ وزير الخارجية السعودية عادل الجبير عليها وكأنها قناة يستخدمها "حزب الله" لتهريب الأموال! تصريح أطلقه في منتدى الحوار المتوسطي في العاصمة الإيطالية روما، وهو يصوّب نحو الحزب، معتبرا أن الحل في لبنان هو بسحب السلاح من "حزب الله".

في الحروب عادة ما يُباح إستخدام كل أنواع الأسلحة. لكن الجبير يدرك كما سواه، أن مصارف لبنان ليست موضع شبهة كما كانت دوما، ولا يجوز إقحامها في ما هي براء منه وليس لها قدرة أو سلطة على التحكّم به. شهادتها تأتيها من المجتمع المالي الذي يختصره صندوق النقد والبنك الدولي، من المصارف المراسلة المنتشرة في كل أصقاع الأرض، من المستثمرين الماليين الذين جذبتهم الثقة بالأداء ولا تزال، من المودعين المقيمين وغير المقيمين الذين رافقوا القطاع في أيام الأزمات كما في أوقات الإزدهار والعزّ...

قبل أكثر من عقدين، راهن رياض سلامة، الشاب الواقف على عتبة العقد الرابع والآتي من أسواق المال والإستثمار وإدارة الثروات والأصول، على إخراج قطاع مصرفي من أتون "حرب أهلية" أو "حروب الآخرين"، كان إستُخدم خلالها كآلية لتوفير موارد مالية مطلوبة لتوظيفات فرضها الأمر الواقع. وراهن أيضا على إبطال إستعماله في مضاربات مفتوحة لجني أرباح سريعة. ورشة تنظيمية أطلقها و"قصقص" عبرها كل تلك الوسائل مستخدما تعاميم وهندسات طوّعت العمل المصرفي ضمن قواعد المعايير العالمية. جهد دام أكثر من 25 عاما، وتطلّب لإستعادة الثقة، الكثير من التضحيات والكلفة، لكنه أثبت مرارا وتكرارا، أنه كان في محله، بدليل تنامي حجم القطاع إلى ما يساوي أربعة أضعاف حجم الناتج المحلي الإجمالي، وهي ظاهرة نادرا ما يشهدها المجتمع المصرفي في العالم.

ردّ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بسرعة ليؤكد أن القطاع المصرفي اللبناني يكتسب الشرعية الدولية في ما يخص التعاطي المصرفي والمالي. تصريح أعقب بساعات، إعتبار رئيس جمعية المصارف جوزف طربيه أن تصريحات الجبير "كلام سياسي من دون أيّ سند قانوني أو واقعي له، وليس لصاحبه أيّ صفة فنية أو رقابيّة لإثباته". ردود توالت عبر تصريحات لسياسيين ومصرفيين تؤكد أن الإتهام يندرج في إطار الضغوط التي تُمارس على لبنان. فالمصارف نجحت في اكتساب صدقية دولية من جرّاء تحييد أعمالها عن نشاطات "حزب الله" وغيرها من التنظيمات المدرجة على لائحة العقوبات الدولية. وأكثر، يفرض القانون اللبناني والمصرف المركزي عقوبات على أيّ مصرف لا يحترم القرارات الدولية، فيما تعتبر المرجعيات الدولية لبنان "من أفضل البلدان رقابة على قطاعه المصرفي"، كما تعتبر واشنطن مصارف لبنان مثالاً يُحتذى به بالنسبة لمصارف المناطق الملتهبة.

ردٌّ محلي ممهورٌ بشهادة دولية يفترض أن يجد متسعا من سياسة "النأي بالنفس" في الحرب الدائرة على جبهة الرياض-طهران. فإلى عادل الجبير نقول: إن أرادت المملكة فرض عقوبات إقتصادية على لبنان، فلها الحقّ في الدفاع عن سيادتها ومصالحها ومواطنيها. لكن، أن تلجأ إلى ترهيب الإقتصاد لتطويع السياسات، فهو ما لا تقبله الرياض على نفسها، وخصوصا إن كان الإفتراء هو المدخل لإصابة الأهداف. فإلى الجبير نقول: مصارف لبنان نظيفة، نظيفة ونظيفة!

المصدر: Arab Economic News