احتجاجات العراق.. بين الاستياء الشعبي والبواعث الخارجية

  • إقليميات
احتجاجات العراق.. بين الاستياء الشعبي والبواعث الخارجية

اشتعل فتيل الاحتجاج بالعراق، مؤخرا، في محافظة البصرة، جنوبي البلاد، جراء الاستياء االشعبي من ضعف الخدمات والبنية التحتية، لكن الغضب العارم سرعان ما امتد إلى محافظات جنوبية أخرى مثل كربلاء والنجف والديوانية.

وانتشرت الاحتجاجات كالنار في الهشيم وسط تساؤلات حول بواعث الغضب، وعما إذا كان تعبيرا عن الغضب إزاء ضعف الخدمات مثل انقطاع الكهرباء في ذروة الصيف، أم إن ما يحصل ليس سوى "رسائل إيرانية" إلى واشنطن وبغداد التي ما زالت تحاول إخراج حكومتها إلى الوجود بعد انتخابات مرتبكة.

وأسفرت الاحتجاجات الشعبية عن وقوع قتلى وجرحى برصاص الأمن العراقي، كما أدت إلى وقف الحركة الجوية في مطار النجف وإقالة مسؤول أمني في المحافظة جراء عدم السيطرة على الوضع.

وسعت الحكومة العراقية جاهدة لاحتواء غضب الشارع، من خلال طرق عدة؛ مثل فرض منع التجول في ثلاث محافظات ونشر القوات، كما زار رئيس الوزراء، حيدر العبادي البصرة والتقى الناشطين فيها، وأمر بتخصيص ثلاثة مليارات دولار للمحافظة.

ثلاثة عوامل محركة

ويقول مدير مركز بغداد للدراسات الاستراتيجية، مناف الموسوي، في حديث مع "سكاي نيوز عربية"، إن ثلاث عوامل رئيسية تحرك الاحتجاجات الشعبية المتواصلة في جنوب العراق، وكل منها يسعى إلى توجيه الغضب نحو ما يخدم مصالح معينة.

أول تلك العوامل بحسب الموسوي، هو القصور الواضح للخدمات في منطقة ثرية بالنفط، فالغضب العارم ناجم عن إحباط المواطن العراقي بالأساس إزاء ضعف الخدمات على كافة الأصعدة.

وتعاني البصرة وضعا صعبا بالرغم من كونها أغنى منطقة بالنفط في العراق، كما تشكل المحافظة المنفذ المائي الأول للبلاد ويقع فيها مقر شركة "نفط الجنوب".

وتضم البصرة عدة حقول نفطية أبرزها حقل مجنون الذي يتراوح فيه الاحتياطي بين 23 و25 مليار برميل وينتج نحو مئة ألف برميل يوميا.

وتشكل الموارد النفطية للعراق 89 بالمئة من ميزانيته، وتمثل 99 بالمئة من صادرات البلاد، لكنها تؤمن واحدا بالمئة من الوظائف في العمالة الوطنية، لأن الشركات الأجنبية العاملة في البلاد تعتمد غالبا على عمالة أجنبية.

وتعاني البصرة وغيرها من المحافظات انقطاعا في الكهرباء وشحا في المياه، بالإضافة إلى تردي القطاع الصحي والبنية التحتية وانتشار البطالة، ولذلك من الطبيعي أن يخرج الناس لاسيما أن العراق يسجل درجات حرارة مرتفعة خلال شهري يوليو وأغسطس.

موازاة مع ذلك، يرى الموسوي أن جهات خارجية تسعى إلى الاستفادة من الغضب الشعبي واستغلال حالة النقمة، وهو ما يحول المنطقة العراقية إلى مسرح لصراعات دولية، كما يرجح الباحث أن ثمة جهة  تريد الضغط على مكونات سياسية وإصلاحية.

ويرى الموسوي أن هذه الجهات لم يرقها أن ترى العراق يخوض محاولة لأجل الانعتاق من براثن الطائفية، والمضي بالبلاد صوب مشروع وطني إصلاحي يتجاوز الأخطاء التي طبعت المرحلة الماضية.

وبما أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنوي فرض عقوبات جديدة على إيران بعد الانسحاب من الاتفاق النووي فيما لوحت طهران بإرباك نشاط النفط ردا على واشنطن، فإن إيران تريد أن تبلغ رسالة مفادها إنها قادرة على إيقاف عملية الإنتاج والانتقام لنفسها، أما على مستوى الداخل، يسعى النظام الإيراني إلى دور فاعل في تشكيل الحكومة العراقية المتعثرة.

ولدى سؤاله حول أفق الاحتجاجات الحالية وما إذا كانت قادرة على الاستمرار بالوهج نفسه، أجاب الموسوي بأن الرد المجدي للسلطات على الشارع هو تشكيل حكومة قوية ومنسجمة على اعتبار أن البلاد تحتاج برنامجا حكوميا واضحا يلبي خدمات أساسية يفترض أن تكون مكفولة للمواطن من قبيل الماء والكهرباء.

رسائل طهران

من ناحيته، يرى رئيس المجموعة العراقية للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، واثق الهاشمي، أن السمة الأولى للمظاهرات الأخيرة هي خروج الناس لأجل الاحتجاج دون أن تكون لهم قيادات منظمة تتولى تنسيق احتجاجاتهم في الشارع، أما البعد السياسي فبرز في وقت لاحق مع إحراق مقرات بعض التنظيمات التابعة لميليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران.

لكن هذا الاحتجاج العفوي لا يخلو أيضا من رهانات إيرانية بالنظر إلى مساعي طهران لمناكفة الولايات المتحدة، على أثر العقوبات الجديدة، فإيران تريد أن تظهر لواشنطن قدرتها على إحداث أزمة نفطية.

ويستبعد الهاشمي أن تجد الحكومة الحالية حلا للأزمة، على اعتبار أنها لا تملك عصا سحرية وبالنظر إلى تعقد مشكلات البنية التحتية واستشراء الفساد الذي ينال من موارد العراق، لكن الباحث يؤكد أن الفساد لا يرتبط بالحكومة الحالية، وإنما بحكومات أخرى سابقة تتحمل جزءًا من المسؤولية في مراكمة إرث ثقيل.

المصدر: سكاي نيوز