استقلالٌ مقطوع الرأس

  • مقالات
استقلالٌ مقطوع الرأس

كلُّ شيءٍ في بلاد الأرز سقط ،أو يكاد يسقُط .كلُّ شيءٍ في لبنان ،مُدِّد لهُ ،من تاريخ صلاحيّة النوّاب ومجلسهم الكريم ،الى تاريخ صلاحيّة المواد الغذائيّة وحتّى المشتقّات الحيوانيّة ، كلُّ شيءٍ في لبنان قُطِعَ ،حتّى شلشُ الحياء ، كلّ شيء في لبنان حُلّل، وشُرّع، ودُعيَ بتشريع الضرورة، فاذا بالكلّ يكرُز بالعفّة،ويحاضر بالوطنيّة،بمن فيهم مومسات القصور.

 ولولا العيب والحياء،لكان معالي الوزير ،المؤتمن على سلامة الغذاء، أدرج أسماء أصحاب السعادة بسوادهم الأعظم ،وبالأحرف الكاملة ،في صدارة لائحته السوداء ،تحت مندرج مخالفات جسيمة وعديدة ،قلّ نظيرُها،من التوقيع عن الموكِّل تمديداً للوكالة المعطاة،  مروراً بالتشريع بغير وجه حقّ وخلافاً للدستور والأعراف، ناهيك عن اختطاف كرسي الرئاسة الهزّاز ،ومعه سائر مقدّرات الدولة ومؤسّساتها ،وتحويلها الى بيئةٍ ملائمة لخيوط العناكب،ولتكاثر شتّى أنواع الجراثيم السامة ،والموبئات القاتلة.

الناس في عهد هؤلاء ،استحالت أحلامهم كوابيس على مدّ الساعة ،وآمالهم يأساً على مدّ مساحة الوطن ،الى حدٍّ أنّ الهجرة ،والوطن البديل ،وتأشيرة الدخول ،والاقامة الدائمة ،عبارة باتت في صميم لغتهم المحكيّة،وحكاياتهم الليليّة ،وربّما الأمنية الأحبّ على قلوب قاطبة اللبنانيين.

صحيحٌ أنّ اللبنانيين ،خبروا كافة أنواع وأشكال الهجرة ،منذ ما قبل نشأة لبنان الكبير ،وقد يعزو الباحثون تاريخها الى زمن اجتياح الأسطول الروسي لسوريا عام 1772 وقصفه مدينة بيروت ،الأّ أنّه لم تأخذ في أيٍّ من مراحلها الثلاث الرئيسيّة ،هذا المنحى ،وهذا الكمّ من اليأس.بل عصر الانحطاط هذا ،كان أبناء هذا الوطن ،و على الرغم من فوز أُمّتهم بالمرتبة العالميّة الاولى ،من حيث كثافة الهجرة ،مقارنةً بعدد سكّانها ،11 مليون لبناني في العالم من أصل 15 مليوناً ،وهو عدد اللبنانيين الاجمالي ،متشبّثين بالاحتفاظ "بمرقد عنزة" في وطنهم الأمّ ،حتّى أنّهم كانوا يعلّلون النفس ،بلا محالة العودة ،حينما تسنح الفرصة ،ويأذن الوضع الأمني والاقتصادي ،حتّى أنّ الأمل بغدٍ أفضل في كنف الوطن ،كان ما يزال يختلج في عقولهم ،ويعتمل في صدورهم.

الى أن أتت أيّامنا تلك ،بحيث أضحينا غرباء في وطننا وعن وطننا ،والفراغ ينادي الفراغ ،والحدود مشرّعة لمطلق راغب في الدخول ،والدولة بسلطتها الجوفاء ،يتآكلها الاهتراء والفساد وتنهشها الايادي الممتدّة اليها طويلاً من كلّ حدبٍ وصوب ،وبالأخصّ من رحَمها ،والقادة على تنوّع صباغهم الخارجي ،وعباءاتهم الدينيّة ،لا يكفيهم ما ارتكبوه من معاصي ،وما أوقعوه من مآسي في العقود المنصرمة ،بل ما برحوا يُمعنون في الانهاء على ما تبقّى من نبض حياة ،وكأنّهم في سباقٍ غير مُعلن ، مع مجاهدي ما وراء الحدود ،لعلّهم يوفّقون باقتطاع مساحةٍ من جلد الثور ، يشيّدون عليها مملكة لأسلابهم ومدخّراتهم ،قبل أن يسبقهم أبالسة الشرق الجُدد على اصطياد الثور ،والتلذّذ بلحمه نيئاً.

لم يعد اللبنانيون يصدّقون ،أنّ هنالك من ثمّة خشبة خلاص لهذا الوطن ،وأنّ تلك المجموعات القبليّة المتناحرة، قادرة على استنبات الحلّ ،من مشاكل لبنان المستعصية،ما عاد هؤلاء ، ينصتون لسيل الدعوات الأُممية ولا يُطربون لزُمرة التطمينات الاقليميّة ،فلهم من التاريخ ،والتجارب ،والويلات والحروب والاساطيل والمكرُمات والهبات ،خير شاهد وزاجر.

بأيّ حال نحن في لبنان ،وان انتظرنا مع 68 % من المقيمين اللبنانيين ،تأشيرة الهجرة الى ناحيةٍ ،يمكننا أن نحيا فيها بكرامةٍ وأمانٍ ،وأن نُحيي فيها ما تبقّى لنا من أحلامٍ  وآمال ،ولو جُزئيّاً ،لا زلنا لهذا "الصبيّ أمّه وأباه " ،حتّى لو أنّه بات في حيرةٍ من أمره ،وجنسه ،وهويّته ،لكثرة ما ادّعت جماعات ودول ،أُبوّته ،ولكثرة ما اتّخذته جحافل جراد ،وطناً بديلا.وما زلنا ،وسنبقى لاستقلال 1942 ،على هشاشته ،حماته ،من مقصلة الرؤوس ،في زمن قاطعي الرؤوس ،وخاطفي الارواح،وباعة الهيكل، فان كان من خلاصٍ لهذا الوطن ،فبنا نحن ،شعب لبنان الواحد الموحّد بأطيافه ومشاربه كافة ،يبدأ الخلاص ،وتحيا بنا الجمهوريّة ،برأسٍ يشرئبّ فوق سائر الرؤوس..

المصدر: Kataeb.org