البلد الذي لا غنى عنه

  • مقالات
البلد الذي لا غنى عنه

 

          يواجه لبنان في هذه الايام سلسلة من الضغوط والتحدّيات والمخاطر هي في النهاية بمثابة امتحان لوجوده السياسي ، يبقى او لا يبقى ، ينفرط عقده في صورة نهائية او يظل ّ بلدا ً قائما ً ولو بالغصب.

           

والحق يقال ان هذا البلد قد برهن حتى الآن عن مناعة من هذا القبيل لافتة ، رغم الموجة الجارفة من الحروب والفتن الدينية والمذهبية  التي تجتاح محيطه العربي والاسلامي وتدق ابوابه من كل جهة، فلم يقع في المحظور. لكنّه يظل عرضة له جرّاء التعطيل المتعمّد والمتواصل لمؤسساته كلها تقريبا ً لمنعها من القيام بادوارها ، ومثاله الشغور الحاصل على مستوى رئاسة الدولة والجمهورية الذي يتواصل منذ شهور ويكاد يصبح فراغا ً مستديما ً.

         

والصحيح انه كان من المفترض ان يكون لبنان قد اصبح في منأى عن المخاطر التي عادت تهدّده وتهزّه من الاعماق ومحصنا ً ضدّها، ليس فقط لأن اللبنانيين عموما ً قد خبروا كفاية شرور الحروب الاهلية وذاقوا مرّها، فاكتسبوا بالتالي مناعة ضدّها، بل ايضا ً لأن ثمة اتفاقا ً كان قد تم ّ في ما بينهم قبل ما يزيد عن ربع قرن، وبرعاية عربية ودولية قل ّ نظيرها، هو اتفاق الطائف الذي يقضي، اول ما يقضي به ، بحل ّ الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة اللبنانية تمهيدا ً لبسط سلطة هذه الدولة على الاراضي اللبنانية كلها بقواها الذاتية .

 

 وكان المقابل عددا  من الاصلاحات السياسية والادارية  وأهمها نقل السلطة الاجرائية من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء.      

 

بيد ان الامور لم تجر على نحو ما هو متفق عليه ، فلم ينفذ منها إلا ّ ما يتصل بصلاحيات رئيس الجمهورية فيما حل ّ الميليشيات ظل ّ مقتصرا ً على الميليشيات المسيحية، من دون ميليشيا حزب الله وتلك المنتشرة في المخيمات الفلسطينية، كما لو ان المبتغى هو اولا ً وآخرا ً الحد ّ من سلطة  رئيس الجمهورية ومن تشدد المسيحيين التقليدي  في مسائل السيادة والاستقلال والقرار الحر، حتى اذا كان ذلك اصبحت سائر الاصلاحات والاجراءات التي نصّ عليها الاتفاق من قبيل لزوم ما لا يلزم فعلّقت كلها.

 

وتلك كانت المشيئة السورية يوم تكفّلت دمشق تنفيذ ما هو متفق عليه، لبنانيا ً وعربيا ً ودوليا ً، فاتخذت من اتفاق الطائف وسيلة للتشديد من قبضتها على لبنان بدل تمكينه من الاستغناء عن "خدماتها".

 

ولولا هذا الانقلاب لكان لبنان اليوم في منأى عن هذا التعطيل المتواصل لمؤسساته السياسية والدستورية، بل عن هذه الفوضى تحكم فيه الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتملأ ساحاته بالنفايات .

 

 ومع ذلك ثمة ما يشبه الاجماع ، محليا ً وعربيا ً ودوليا ً ،على انه البلد الذي لا غنى عنه فيجب ان يبقى .

 

 وهو بفضل هذه الخصوصية يبقى ويرد ّ على كل التحديات .           

المصدر: Kataeb.org

popup close

Show More