الثوابت – الأساسات

  • مقالات
الثوابت – الأساسات

كتب الرئيس أمين الجميّل مقالا في افتتاحية صحيفة النهار  اليوم الثلاثاء بعنوان:" الثوابت – الأساسات"، جاء فيه:

"تمرّ منطقة الشرق الاوسط ودولها بمرحلة خطيرة من تاريخها: فالانظمة مهددة، والحدود تتغير، وخرائط وهويات جديدة تلوح في الافق. هذا ما يجعل منطقتنا مساحة صديقة للاضطرابات على اختلافها، ومعها الاطماع والطموحات.

وفي هذه اللحظة التاريخية بالذات حيث يواجه فيها لبنان التحولات الاستراتيجية في الشرق الاوسط، ويعيش اللبنانيون خلالها أسوأ مراحل الحيرة والقلق على مستقبلهم ومصير ابنائهم، اختار أهل السلطة الإستقالة من مسؤولياتهم الوطنية، واعتماد نهج سياسي، مركنتيلي، يهدد الكيان ومصير البلاد ومؤسساتها، بل وعلة وجودها.

صحيح ان مشاكل المنطقة اكبر من قدرات لبنان على مواجهتها، لكن لا ننسى ان الذكاء اللبناني نجح على مدى عقود من الزمن في السير بين النقاط والإبحار بأمان بين مختلف التيارات العابثة باستقرار دول الجوار، والتي لم تقصرّ في محاولاتها الآثمة ازاء لبنان.

ويجب التذكير بأن ما حمى بلادنا خلال العقود المنصرمة هو تمسك الشعب والقيادات السياسية وقتها "بالثوابت – الأساسات" (Les Fondamentaux) التي ارساها الأباء المؤسسون ورجالات الاستقلال. وكنت خلال ولايتي الرئاسية شديد الحرص على التمسّك بهذه "الثوابت – الأساسات" من أجل الحفاظ على المؤسسات، والهوية الوطنية، و"رسالة" لبنان في العالم كما لخصّها قداسة الحبر الاعظم القديس يوحنا بولس الثاني.

وأفهم "بالثوابت- الأساسات" النصوص التأسيسية للبنان مثل: الميثاق الوطني، الدستور اللبناني، وإتفاق الطائف والقيَم اللبنانية العريقة والاعراف والتقاليد غير المكتوبة، وايضاً المعاهدات وقرارات الشرعية الدولية. ان هذه النصوص المكتوبة والعرف الشفهي، والتي تطوّرت في بعض الأحيان لكي تتناسب مع الحداثة دون أن تتنكّر لمبادئها ومنطلقاتها، هي

التي حفظت خصوصية لبنان في هذا الشرق المضطرب، وحصّنته وحمىت الوفاق الوطني والسلم الاهلي.

يبدو أن المسؤولين عندنا عمدوا على تجاهل أو أقلّه التساهل مع هذه "الثوابت – الأساسات" التي تتعرض للاضطهاد والجلد كل يوم على يد أولياء الأمر. فالنهج السياسي القائم خلط بين الاساسي والهامشي، بين الثابت والمتحرك، بين الرئيسي والثانوي. وصارت النصوص التأسيسية والقيم التي بنيت عليها الهوية اللبنانية مجرد وجهة نظر. وتحولت العراقة الديمقراطية عبئاً على البعض، وعائقاً أمام طموحاتهم ومصالحهم. وانقلب مقياس القيم رأساً على عقب، فالحقوق الاساسية مغيبة، والخلط في القواعد العامة وانتهاك الدستور والقوانين صارت سياسة ثابتة للحكومة، ما أسفر عن كمّ من الهرطقة السياسية والمؤسساتية. كما أن شلّ أجهزة الرقابة جعل الفساد يزدهر، ومعه هدر المال العام وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية، بالاضافة الى التنكر للالتزامات والاتفاقات الدولية.

وبحجة "الواقعية السياسية" والمصلحة العامة، ترتكب كل يوم المخالفات والانتهاكات والمعاصي التي تصبح هي القاعدة، بينما إحترام المبادىء الاساسية وحتى المقدسات تصبح الاستثناء. إنها ثقافة سياسية جديدة أو ثقافة اللاثقافة التي بدأت تترسخ وتفرض نفسها على كل الاصعدة. والاخطر نشوء تأقلم مرضي مع هذه البدعة التي بدأت تجد لها موقعاً وموطئاً على مختلف المستويات.

وبالانتقال الى الواقع العملي، نلاحظ أن القرارات تُتَخذ خارج الميثاق الوطني والاعراف اللبنانية والقواعد المؤسساتية البديهية: فالانتخابات الرئاسية تترحّل لآجال خدمة لمصالح انتهازية، وبذريعة انتخاب رئيس مسيحي قوي، إنسحب هذا الفراغ سلباً على مؤسسات الجمهورية التي عانت من الاهتزاز الخطير؛ والانتخابات التشريعية، العامة او الفرعية، تُعلّق بشكل متماد عندما يتضح ان النتائج المفترضة لا تخدم مصالح اصحاب القرار؛ والحكومات تُشكّل بطريقة لا تسمح بقيام اي رقابة او معارضة، وتنتزع لنفسها سلطات مطلقة واستنسابية تناقض الصالح العام والأصول الديمقراطية. وهل ننسى ان القرارات الكبرى في مجلس النواب

وفي الحكومة تتخذ في الغرف المغلقة بالمنطق التسووي والفئوي والمتسرّع، ثم تخضع شكلاً للهيئة العامة وللحكومة لزوم الاقرار خارج اي مناقشة وشفافية. حتى المجلس الدستوري يُفتقَد نصابه عندما يصبح قضاء ثقيلاً ومزعجاً على أهل السياس؛ كما ان أجهزة الرقابة تنشلّ بشتى المناورات والخدع لاطلاق العنان للفساد والهدر. والقضاء يبقى ممسوكاً بتدخل السلطة التنفيذية المباشر، او من خلال المناقلات العقابية والاستنسابية للقضاء.

لكنٰ الاخطر هو مشكلة إزدواجيّة الولاء. فكيف يمكن لدولة ان تنهض وفي البلاد شريحة عريضة من مواطنيها يعلنون جهاراً ولاءهم لدولة اخرى ويسخرّون الجهود خدمة للخارج على حساب المصالح العليا للبنان؟ كيف يمكن لدولة ان تنهض عندما ترفع فئة سيادتها الذاتية على حساب السيادة الوطنية؟

ورغم الحالة الصعبة على الصعيد الوطني والشعبي، إلا انه لم يفت الآوان لاستنهاض الدولة واسترجاع الثقة. يكفي ان يعود الزعماء السياسيون الى "الثوابت–الأساسات" (Les Fondamentaux) ويتميّزوا ببعض الترفّع وان يعودوا الى الجذور، الى وصيّة المؤسسين الذين حموا الوطن ومؤسساته ومعنويات شعبه منذ فجر الاستقلال. وفي كل مرة ابتعدنا عن هذه المقدّسات، دخلت البلاد حالة الاهتزاز وتكبدت اقسى التداعيات واسوأها، وغالباً ما كانت قاتلة.

هذا ليس موقفاً حزبياً أو جهوياً، أو شخصياً، أو سياسياً. هذه هي الحقيقة المجرّدة المنسجمة مع القوانين والمواثيق الدولية. إن بقاء لبنان، وتطور مؤسساته، وانتعاش اقتصاده وتعزيز دوره في المنطقة والعالم يتوقف على هذه العودة، الى "الثوابت – الأساسات"، وعودة اللبنانيين الى روحية التأسيس والمؤسسين، بناة لبنان الحق، وسر نجاحه وبقائه وديمومته.

المصدر: Kataeb.org