الرئيس القويّ ونهاية الآذارَين

  • مقالات
الرئيس القويّ ونهاية الآذارَين

ربما لا تكون الحكاية، حكاية رئاسة، بمقدار ما هي حكاية قانون انتخابي يضمن استنساخ المشهديّة النيابيّة هي هي، وتقمّص وتوزيع الحصص والمعونات النيابيّة هي هي، دونما زيادة أو نقصان، ولكن في كلّ الحالات الفرديّة والجماعيّة، لا شيء يعلو فوق هدير المصالح، وهدير الأنا الرئاسيّة العالية.
الرئيس القوي، والتي حصرت إرثه، الرباعيّة المارونيّة القويّة، بقائمتها الرباعيّة الدفع، وعلى الرغم من مطابقته قاطبة المواصفات الفنيّة المحدّدة آنفاً، أنهى كلا الآذارَين، بضربة جزاءٍ واحدة. امتعاضٌ قوّاتي من صاحب المبادرة وتيّاره، تظهّرت اشتباكاً غير مسبوق على صفحات التواصل الاجتماعي، بين أتباع الحزبين، ويبدو أنّ التسويق الباريسي لاسم البيك، شكّل البحصة التي قصمت ظهر البعير، بعد سلسلة اهتزازات واحتواءات، بدءًا بزيارة الرئيس الحريري الى سورية على حين غفلة، وبغفلةٍ من الحليف القوّاتي وطبعاً الكتائبي، مروراً بالقانون الارثوذكسي والرفض الحريري القاطع له، والتماشي القوّاتي مع رغبته دونما الكتائبي، ومن ثمّ تشكيل حكومة سلام وبقاء القوّات على قارعة السراي، وليس انتهاءً بالانفتاح على العماد اللدود، وليالي الأنس بين الجنرال والرئيس الحريري، والتي تمخّض عنها مولودٌ رئاسي غير مكتمل، حالُه حال المولود ”الزغرتاويّ".
أمّا في المقلب الآذاري الآخر، فالأمور ليست بأفضل أحوالها. في رابية المتن، عتبٌ على ابن الكتلة الاصلاحيّة، لخروجه عن أحقيّة رئيس تكتّله بالكرسي. والمفارقة أنّ التسوية تعثّرت مرّتين على خطٍّ متوازٍ، ووقتٍ متزامن ، تارةً على شبكة الاتّصال الساخن بين باريس ومعراب، وطورًا على عتبة أبواب الرابية الباردة هذه الأيّام، والتي كابدت وجاهدت لاحتضان اللقاء اليتيم بين الجنرال والزعيم الزغرتاوي.
الاّ أنّ الحقيقة التاريخيّة، هي أنّ لبنان، وفي ظلّ طغمة حاكمة لم تبلغ سنّ الرشد، وان بلغته فلا تُعير للرشد اعتباراً، هذا اللبنان لا يُحكم الاّ بأحاديّة الوصاية ويبدو أنّه في انتظار تبلور وصاية جديدة، تُرسي قواعدها واملاءاتها، يبقى خيار البزة العسكريّة المرقّطة، الأوفر حظّاً، والأكثرالحاحاً، والأكثر حاجةً، ولكن هذه المرّة، مقرونةً بانقلابٍ ثائر على صراعات الارث، والاحقيّة بالكرسي، انقلابٌ عسكري يضع حدًا فاصلاً مع حكم أصحاب البطون المتخمة بالنهب، والجيوب المنتفخة بالسلب، واللصوصيّة المتمترسة خلف ستائر الدساتير والأعراف والطوائف.
نعم ما أحوجنا اليوم الى فؤاد شهاب جديد، وليس بالضرورة أن يكون ذا خلفيّة عسكريّة، يُعيد للدولة هيبتها، وللمؤسّسات انتظامها، ولموروثات العفن والفساد وتجّار المكاسب والنفوذ ،أقبية السجون التي تليق بهم. زهاء العام 1958، أتت التسوية بفؤاد شهاب الى رئاسة الجمهوريّة، وكان معه عهد لبناني مؤسّساتي، لا تزال معالمه ماثلة حتّى الآن في مؤسّسات الدولة. ربّما لم يجترح الرئيس شهاب المعجزات، ولكنه في السنوات الستّ التي أمضاها رئيساً، قدّم نموذجاً متميّزاً لرجل الدولة النزيه، والقائد المشبّع من المؤسّسة العسكريّة، شرفاً وتضحية ووفاءً، فجاء بالمناقبيّة العسكريّة والذهنيّة التنظيميّة، الى مختلف مفاصل الدولة المصابة بالصدأ والاهتراء.
لا أحد يستطيع التكهّن بمصير التسوية وما ستؤول اليه، وبمصير زعيم تيّار المردة، القويّ بين الأقوياء الموارنة الأربعة، وما سيحمل اليه المقبل من الأيّام من مقاليد بعبدا، أو مفاتيح أُخرى أقلّ عبئًا، الاّ أنّه، أيّاً تكن عصارة التسويات، وأيّاً يكن اسم المرشّح السعيد أو سيئ الحظّ، وأيّاً يكن تاريخه، أكان عسكريًا، أم مدنيًا، أم ميليشيويًا، أمّ رئاسيًا، ما نُريد منه، وما نتمنّى منه، أن يضع حدًا فاصلاً، لإقطاعيّة المكاسب والمساومات على حساب الوطن والمواطنين، ولربّما لحسن حظّ هذه الأمة، ما أصاب كلا الآذارَين من تبعثرٍ وتشظٍّ، لعلّ هذا الأمر يشي بقرب نهاية مرحلة الانقسام العمودي، وقُرب نشوء آذارٍ جامع، ومعه ربيع آخر لكلّ اللبنانيين.

 

المصدر: البلد