"الطائف" بين نداء بكركي وموقف "الجنرال" الجديد

  • مقالات

يرقى نداء المطارنة الموارنة إلى مستوى نداء بكركي الشهير والتاريخي في 20 أيلول 2000 إذا حظي بمتابعة والتفاف وطني وسياسي تحت عناوينه يُشبه "لقاء قرنة شهوان" الذي أدى قسطه للعلى وغير القابل للتكرار. ولكان بالطبع أقرب إلى رسم طريق الخلاص في المرحلة الآتية والأصعب على هذه البلاد لو ذهب إلى تسمية المشكلة الرئيسية باسمها على غرار النداء الذي صاغه البطريرك السابق الكاردينال نصرالله صفير منادياً بخروج الجيش السوري من لبنان بعدما تحرر جنوبه من الاحتلال الإسرائيلي ولم يعد ثمة أي موجب لبقائه.

أبرز ما تغيّر منذ "النداء الأول" هو حلول عقدة سلاح "حزب الله"، بذريعة المقاومة – اللانهاية لها على ما يبدو- محل عقدة وجود الجيش السوري الذي كان يوصف بـ"الشرعي والضروري والموقت". لكن لا الظروف الخارجية والداخلية باقية كما كانت سنة 2000 ولا سيّد بكركي. فللبطريرك صفير أسلوبه في مقاربة المشكلات، وللبطريرك الحالي الكاردينال بشارة الراعي أسلوبه. يلتقيان على الهدف: لبنان السيّد المستقل، والمحترم دستوره وميثاق العيش معاً.

ولعلّ إعلان النائب العماد ميشال عون في مقابلة تلفزيونية، قبل ساعات من صدور بيان المطارنة الموارنة أنه يلتزم "الطائف"، في سياق عملية ترميمية لصورته عند جزء من اللبنانيين، أخذ من وهج بيان بكركي في ما يتعلق بالاتفاق الذي أنهى حرب الـ15 سنة ولم يُطبّق إلا استنسابياً وبما يوافق النظام السوري، النظام الذي تميّزت نظرته طوال تاريخه إلى لبنان برغبة مكتومة في إلغاء وجوده، أقلَّه في الشكل الذي أراده بُناة كيان لبنان في 1920 واستقلاله في 1943. وكان عدم تطبيق "الطائف" أقرب إلى جريمة بحق لبنان وشعبه لأنه قطع الطريق على تطويره وتحديثه، بما يتيح تماشي النظام اللبناني مع مسار الدول والشعوب المتقدمة.

إلا أنّ فارقاً شديد الأهمية يفرض نفسه بين إعلانَي عون وبكركي. موقف "الجنرال" خلفيته استرضائية وسياسية، وموقف بكركي خلفيته مبدئية معنوية، فوق الاعتبارات المصلحية والسياسية الآنية والمباشرة. الموقفان لم يذكرا أن البند الأول، والأهمّ، في اتفاق الطائف هو بند حل الميليشيات المسلحة، لكنه لم يتحقق بذريعة "أوهى من خيوط العنكبوت"، بلغة الحزب المتمسك بسلاحه، وذلك خلافاً لكل الأحزاب التي كانت في مرحلة من المراحل أعظم منه (قياساً على تلك الأيام)، ومثله حاول كل منها فرض مشروعه وأخفق ليخرج من خنادق الحرب بعِبر وخلاصات لا تُنسى. على النقيض كانت ذريعة "المقاومة" ولا تزال الأساس لضرب الدستور والنظام البرلماني اللبناني في عمق روحه وجسده، لاستحالة قيام دولة في ظل جيشين مختلفين عقيدياً وتنظيمياً ومرجعياً، أحدهما لبلاد وآخر لبلاد أخرى لكنه يتكوّن من أبناء طائفة لبنانية.

يُشبه بقاء ميليشيا "حزب الله" بالذريعة المعطاة له، أي الدفاع عن لبنان في وجه اعتداءات إسرائيلية محتملة مستقبلاً، بقاء المقاومة الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية لأن الجيش الفرنسي ثبت عدم قدرته على الدفاع عن بلاده في وجه جيوش هتلر سنة 1940، أو استمرار "المقاومة الكويتية" بعد خروج جيش صدام حسين من الكويت عام 1991 لأن الجيش الكويتي لم يستطع حماية البلاد من الغزو العراقي. أي حياة سياسية وأي نظام كان يمكن أن يقوم في كل من هذين البلدين لو استمرت "المقاومة " فيهما بعد تحرر كل منهما من الاحتلال؟

لم ينزل نداء بكركي إلى التفاصيل. قال بمصالحة وطنية شاملة وبـ"إعادة الاعتبار إلى التسوية التاريخية التي جسّدها اتّفاق الطائف، والتي تقيم عيشنا المشترك على شروط الدولة الجامعة وليس على شروط فئة من اللبنانيّين (...)". وعنى التزام "الطائف" بكل مندرجاته وفي مقدمها حل الميليشيات وأيضاً التزام قرارات الشرعية الدولية المنصوص عنها في الدستور، ولا سيما القرار 1559 والقرار 1701 والقرار 1757 المتعلق بإنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. الجنرال عون هو أيضاً لم يدخل في التفاصيل ولكن ليس لأن هذا أسلوبه، بل لأنه مرتبط بتحالف وثيق مع "حزب الله" يبرر استمرار ميليشيا مسلحة. هو الذي خاض حرباً داخل بيئته تحت شعار "الدولة أو الدويلة"، ويتغاضى عن موضوع التزام قرارات الشرعية الدولية.

وقد تكون ظالمة في أي حال مطالبة بكركي بما تراجعت عنه حالياً غالبية "قوى 14 آذارسابقاً"، مخلفة وراءها عدداً كبيراً من الشهداء والشعارات.

المصدر: النهار