الكتائب باختيار ساميها، تنتخب لبنان الصيغة

  • مقالات
الكتائب باختيار ساميها، تنتخب لبنان الصيغة

أمّا وقد اختار الكيان المنزوع الرأس، الرقص على حافة الهاوية، بانتظار ركلة جزاءٍ من لاعبٍ مجهول، يقذف به الى أسفل الوادي، ثمّة جماعة آمنت بثلاثيّة الله والوطن والعائلة، تتناقل أخبارَها، وبصورةٍ شبه يوميّة، الأقلام الصفراء، وعلى صفحاتها الصفراء، بالخبر العريض، شاخت، وهرمت، وتلاشت، وتفرّق أتباعُها، وتوارث زُعماؤُها، وتخاصم قادتُها، ومع ذلك وبلفتة احسان، وكرم أخلاق لا مثيل له، تصدّرت الكتائب عندهم الصفحة الأولى، والخبر الأوّل، والعدد الذي يلي العدد.

 الاّ أنّ ذاك الحزب، الآتي من زمن الاستقلال، وصناعة الاستقلال، ابى الاّ والديمقراطيّة، والوقفات الوطنيّة، في زمنٍ باتت فيه الاستحقاقات الدستوريّة، والاعتبارات الوطنيّة، والوطن بأثره، مجرّد وجهة نظر، وفي زمنٍ باتت فيه كلّ الأنظار مشدودة، والآمال معقودة، على لقاءٍ حميمي، طال انتظاره، وسرعان ما انتهى بخيبة نوايا.

ارتبط حزب الكتائب، ارتباطاً عُضويّاً، بعائلة الجميّل، حالُه حال قاطبة الأحزاب اللبنانيّة التاريخيّة، والتي طُبعت باسماء وعائلات مؤسّسيها، غير أن ذلك، لم يحُل دون وصول أسماء من خارج اطار عائلة الجميّل، الى السدّة البطرسيّة الكتائبيّة، هذا الحزب الذي أقبل الى الحياة، على يد الشيخ بيار الجميّل، منذ نحوٍ من ثلاثة أرباع قرنٍ ونيّف.

ومُذّاك، تعاقب على رئاسته، وحتّى أواخر العام الفين، كلّ من ايلي كرامه، جورج سعاده، منير الحاج، كان لكلٍّ منهُم نجاحته، واخفاقاته، وانجازات تتفاوت طبقاً لأحكام الظروف، وواقع الحال. الى ان أتت مرحلة النزاعات الحزبيّة، والحركة التصحيحيّة، والتي تزامنت مع عهد كريم بقردوني، و سُرعان ما انتهت بتسويةٍ، أفتاها الوزير الشاب بيار الجميّل، وأفضت الى عودة الكتائب الى الكتائب، مع تولّي الرئيس أمين الجميّل، منصب الرئيس الاعلى المستحدث، وبقاء بقردوني في موقع الرئيس، وقد أُطلق على تلك الحقبة، مرحلة المصالحة الحزبيّة.

 وبُعيد عزوف فخامة العنيد عن الترشّح لولايةٍ أُخرى، حزبيّة طبعاً، شُرّعت أبواب الصيفي لمُطلق راغبٍ بخوض غمار الرئاسة الحزبيّة، طبقاً لآليّة ديمقرطيّة، فيها من الكافي والوافي من الشفافيّة، يتمّ من خلالها، انتخاب مندوبين عن الاقسام، والمصالح، والندوات الحزبيّة، كمرحلةٍ أولى، تسبُق انتخاب الرئيس، ومعه قاطبة أعضاء المكتب السياسي من قبل هؤلاء.

 

فما ذنب القائد الشاب، المسكون بالسيادة والاستقلال، وقد حمل أعوامه ال34  على كفّيه، متحدّياً آلة القتل التي أدمت الأُمّة برحيل أخٍ وزير، وعمٍّ رئيس، وقافلة من الرفاق الأبطال!

فما ذنبُه، ان عقد عليه الكتائبيون، جُلّ آمالهم، وأحلامهم، وسبقوا المندوبين الى انتخابه رئيساً، يتربّع على عرش تشبّثهم بهذا الوطن، وتعلّقهم، بأرضه، وترابه، وجباله، وأرزه،  وكلّ ما فيه من لبنان، وما تبقّى فيه من لبنان!

فما ذنب سامي الجميّل، ان فاز بقلوبهم، وثقتهم، قبل فوزه بالسدّة البطرسيّة، وأين هو المسّ باللعبة الديمقراطيّة، والحياة الحزبيّة السليمة، هذا العقل المريض، المصاب بالكسوف، والذي يرى في كلّ تلاقي والتقاء، مؤامرة، وفي كلّ مصافحة، لسعة عقرب، وفي كلّ تعلّق بالوطن والكيان، انعزال وتقسيم!

فما ذنب سامي الجميّل، انهتفت القاعدة باسمه دونما سواه، فكلّ المنابر، والساحات، والمكبّرات الصوتيّة، وغير الصوتيّة، مُتاحة لكلّ راغب، وطامح، فيتفضّل من يشاء الى حلبة المبارزة الشريفة، ولما الذهاب الى سود الصحائف، والتلطّي وراء أسماء مُستعارة، وخلف أقزام وساسة وقادة متضرّرين وهُم كثر، ودرّ الاموال على اختلاق أخبارٍ ليس فيها من مصداقية الخبر الى الاسم، ما دام سيف العدالة، وسيف الانتخابات، بمتناول مُطلق راغب بامتشاقه.

 

في منتصف الطريق بين مسيرة الشيخ بيار الرئيس المؤسّس، ومسار سامي القائد الشاب، ينتصبُ لبنان الصيغة، حدّاً فاصلاً، ونقطة التقاء على السواء، بين زمنين، وحقبتين، وزمنين، أشبعهما التاريخ، والتجارب، والمحن، صلابةً، ومناعةً، وما أفقدهما تراجُع الدور المسيحي الآخذ بالتقهقر بسبب خفّة العقول، ذرّةً من ايمانهما بلبنان الوطن النهائي، الميثاقي، القائم على صيغة التعدّدية، والتنوّع في الخصوصيّة، والوحدة في اللامركزيّة.

في الأمس انطلقت الكتائب مع الشيخ بيار، كحركة استقلاليّة، أسهمت الى حدّ بعيد في استقلال 1943، وقد خُطّ علم لبنان بين أروقة الصيفي، هذا المكان الآسر الذي يفوح منه عبق التاريخ الجميل، والشاهد وربّما الأوحد، على تاريخ لبنان المعاصر. مراحل عديدة اجتازها الحزب، مترنّحاً أحياناً، ومندفعاً بصلابة أحياناً أُخرى، ولكن ما تقاعص يوماً، ولا أنكفأ يوماً عن الذود بالغالي والنفيس، للمحافظة على هويّة لبنان، وصون استقلالة، بدءً بثورة 1958، ومحاولة الانقلاب على الدولة اللبنانيّة، والنظام اللبناني، من قبل الجمهوريّة العربيّة المتحدّة، وليس انتهاءً بما سبق ولحق بعام 1975 السيّء ذكره.

 وأمّا اليوم، هي الكتائب المتجدّدة الثائرة على ذاتها، هي الكتائب التي لا رهبة عندها من طوالع السنين السود، ولا خجل ولا وجل عندها من غابر الأيّام التي حبّرتها بأحرف الدمّ، تُقدّم للأجيال شابة، للبنانيين بأثرهم، مسلمين ومسيحيين، صورةً حقيقيّة عنها، صورة قائد  شاب، وُلدت فيه الثورة قبل أن يولد فيها، دخل المُعترك السياسي، فاتّشحت معه السياسة، بالحقيقة، والصدق، والنضال، معهُ ينبلج فجر جديد للكتائب، وفجرٌ واعد للبنان الصيغة...  

المصدر: Kataeb.org