الليرة ثابتة حتى 2020... وبعدها يبدأ الخطر

  • إقتصاد
الليرة ثابتة حتى 2020... وبعدها يبدأ الخطر

تعود مسألة سعر صرف الليرة اللبنانية إلى الواجهة مع كل إستحقاق سياسي وإقتصادي حيث يتمّ التشكيك في كل مرّة بقدرة الليرة اللبنانية على الصمود في وجه الدولار. فهل هذه المخاوف في مكانها؟ وهل ستصمد الليرة اللبنانية؟

مخاوف اللبنانيين على سعر صرف الليرة مُبرّرة نظرًا للّوعات التي ذاقها اللبنانيون في ثمانينات وأوائل تسعينات القرن الماضي. سبعمائة وخمسون ألف موظف في لبنان يقبضون أجورهم بالليرة اللبنانية وبالتالي يجب عمل كل ما يلزم للحفاظ على قيمة تعبهم وعلى قوتهم اليومي.

عند تسلّم رياض سلامة سدّة الحاكمية في مصرف لبنان، كان هدفه واضحا: تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية رأفة بالمواطن ودعمًا للإقتصاد. لكن هذا الهدف واجه صعوبات جمّة.

النظرية الإقتصادية تنصّ على أن العملة تعكس الثروة الوطنية – أي ممتلكات الدولة وثرواتها الطبيعية وإقتصادها وكل البنى التحتية والفوقية. بمعنى أخر كل ما كانت الدولة غنية، كان العملة قوية والعكس بالعكس.

وهنا ظهرت أول صعوبة أمام سلامة في تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية حيث أن الثروات الطبيعية كانت محصورة بالثروة المائية في ذلك الوقت مع إدارة سيئة لهذه الثروة. كما أن الإقتصاد كان منّهارًا بعد الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان أنذاك.

المُشكلة الثانية التي واجهت سلامة هي مُشكلة الثبات السياسي والأمني والذي يؤثرّ حكمًا على الإستثمارات بما فيها الإستثمارات الأجنبية المباشرة وبالتالي على ميزان المدفوعات أي على الليرة اللبنانية.

المُشكلة الثالثة تمثّلت بإحتياط منخفض من العملات الأجنبية. وبالتالي، في ظل هشاشة الإقتصاد وعدم الثبات الأمني والسياسي، كانت الليرة اللبنانية عرضة للإهتزاز بشكلٍ عنيف وكانت النتائج معها كارثية على المواطن.

المُشكلة الرابعة تجسدت بقطاع مصرفي غير مُنظّم مع إنفتاح جزئي على العالم في وقت كان جذب الأموال الهمّ الأول للدولة اللبنانية لتمويل إستثماراتها.
الخطّة التي وضعها سلامة هي لتحقيق الثبات النقدي أي ثبات سعر صرف الليرة وثبات سعر الفائدة.

وللقيام بهذا الأمر، كان لا بد من إعتماد إستراتيجية مبنية على نقطتين :

أولًا – خلق إحتياط كبير من العملات الأجنبية يسمح بدعم الليرة اللبنانية ويكون صمّام أمان وأداة بيدّ مصرف لبنان للتدخل في الأسواق بشكل لا يكون هناك من مضاربين قادرين على مواجهة مصرف لبنان.

ثانيًا – تأمين تمويل كافٍ لدعم الإقتصاد بشقيه الإستثماري والإستهلاكي مع ثبات هذا التمويل مما يسمح بثبات كلفة الإقتراض أي سعر الفائدة.

هذه الإستراتيجية تمّت ترجمتها إلى خطوات عملية على الشكل التالي :

أولاً – تنظيم القطاع المصرفي اللبناني الذي إشتهر بسريّته المصرفية (عدوّة الإستثمارات ومثيرة الشبهات) حيث أصدر تعاميم أرست قواعد أخلاقية للتعامل مع ودائع المودعين وفرضت سياسة إحترازية عبر منع الإستثمارات في أدوات مسمومة عالية المخاطر وألزم المصارف الإلتزام بالمعايير الدولية من ناحية رسملة المصارف.

وسمح سلامة للمصارف اللبنانية بفتح فروع لها في دول العالم بهدف جذب الإموال والإستثمارات في الإقتصاد اللبناني كما وفرض على المصارف الإلتزام بالقوانين الدولية وعلى رأسها قانون العقوبات الأميركية دون المسّ بالسلمّ الأهلي الداخلي.

ثانيًا – أخذ سلامة على عاتقه تكوين إحتياطي من العملات الأجنبية مُستخدمًا عدّة تقنيات إستطاع بفضلها رفع الإحتياطي من العملات الأجنبية من عدّة مئات من ملايين الدولارات إلى إحتياطي يفوق الـ 46 مليار دولار أميركي حاليًا. وأخذ بتضييق هامش تغيرات سعر صرف الليرة اللبنانية حتى تمّ تثبيتها على سعر وسطي 1507.5 مع هامش 1501-1514 ليرة لبنانية للدولار الواحد.

وكان من نتائج هذه السياسة بروز مصرف لبنان كقوّة مالية ضخمة لا يوجد أي لاعب مالي داخلي قادر على مواجهته في لعبة المضاربة. وضيّق سلامة الخناق قانونيًا على كل مضارب يستهدف الليرة اللبنانية.

ثالثًا – إستطاع مصرف لبنان جذب الودائع الأجنبية والمحلّية من خلال الثقة التي إكتسبتها المصارف اللبنانية عالميًا ومحليًا مما سمح بتأمين تدفق متواصل ومُستدام لرؤوس الأموال. هذا الأمر أمّن تمويل الإقتصاد وسمح بتثبيت سعر الفائدة.

أثبتت هذه الإستراتيجية نجاحها مع صمود الليرة اللبنانية أمام الزلازل التي عصفت بلبنان سياسيًا، أمنيًا وإقتصاديًا وأصبحت الليرة عمّلة ذات ثقة يُمكن إعتمادها في الماكينة الإقتصادية كأحد الأصول الآمنة. وأصبح لبنان من أهم المراكز المالية العالمية من ناحية الحجم والإمتثال.

هل الليرة في خطرّ؟

إن العرض التاريخي أعلاه يهدف إلى إبراز موقف سلامة ومن خلفه مصرف لبنان من الثبات النقدي. والمعروف أن الأسواق المالية مبنية على المصداقية التي تنصّ على «التصريح عمّا سيتمّ القيام به وفعل ما تمّ التصريح عنه». وهذه الخاصة أثبتها سلامة من خلال أدائه في الأعوام الـ 24 الماضية. لذا لا يُعقل أن يُغيّر سياسته اليوم لأن العكس يعني تدمير كل ما بناه في مسيرته المهنية المُشرّفة.

لكن هل يملك سلامة الوسائل للحفاظ على قيمة الليرة مقابل الدولار؟ الجواب نعم ولكن تبقى مُشكلة العجز المُزمن في الموازنة والتخبطّ السياسي هما العقبتان الأصعب أمامه.

الإحتياطي المتوفرّ في مصرف لبنان يسمح بالدفاع عن الليرة في مواجهة أي حدث ومهما كان نوعه (46 مليار دولار أميركي عملات أجنبية، 11 مليار دولار أميركي إحتياط ذهب، و12 مليار دولار أميركي أصول للمصارف اللبنانية في الخارج). من هذا المُنطلق لا يوجد أي سبب يدعو إلى القلق بإستثناء المالية العامّة التي تستمرّ بالتدهور.

على هذا الصعيد، قمنا بدراسة إحصائية لتحديد التغيّرات في سعر صرف الليرة بحسب نموذج إحصائي (Volatility Term Structure Garch(1,1) Estimation) وتوصّلنا إلى أنه وفي ظل إستمرار الأوضاع المالية والإقتصادية والسياسية على ما هي عليه، فإن مستوى التغيّرات في سعر الصرف حتى ثلاثة أعوام (حتى العام 2020) سيكون مقبولًا وبإستطاعة مصرف لبنان الدفاع عن الليرة حتى ذلك التاريخ.

أمّا بعد هذه الفترة، فإن مُستوى العجز (وبالتالي الديّن العام) سيصل إلى مستويات تاريخية يصعب معها القول إذا ما كان هناك من قدرة على ضبط السيطرة على سعر صرف الليرة اللبنانية.

يبقى القول أن السياسة النقدية قامت بواجبها على الكامل خلال العقدين الماضيين وإستطاعت الحفاظ على قيمة الليرة اللبنانية ومعها 750 ألف موظّف يقبضون أجورهم بالليرة اللبنانية. لكن آن الأوان أن تعمد السلطة السياسية إلى ضبط العجز والسيطرة على المالية العامّة رأفة بالعباد وحفاظًا على الكيان اللبناني. وإذا كانت موازنة العام 2018 تذهب في هذا الإتجاه (أي لجم العجز) إلا أن العبرة تبقى في إلتزام الحكومة اللبنانية سقف الإنفاق الذي حدّدته.

المصدر: الجمهورية

popup close

Show More