المتسولة المليونيرة

  • مجتمع

فصل جديد من الروايات الإجتماعية اللبنانية غير القابلة للتصديق،كٌتب في الساعات القليلة الماضية، أعاد المواطنين بالذاكرة إلى ثمانينيات القرن الماضي حين كانوا يشاهدون قصصاً مماثلة له في البرنامج الأميركي الواقعي الشهير "ذاتس إنكريديبل" (شيء لا يصدق)..
حقاً شيء لا يصدق أن يعثر قرب جثة متسولة مقعدة على دفتر ادخار مصرفي رسمي إدخرت فيه ملياراً وسبعمئة ومليون ليرة لبنانية،أي ما يعادل المليون ومئة ألف دولار أميركي إلى جانب خمسة ملايين ليرة لبنانية عداً ونقداً.
بطلة تلك الرواية الغريبة تدعى "فاطمة محمد عثمان".. وهي مواطنة من بلدة عين الدهب في عكار، مبتورة اليدين والرجلين،كانت تعيش من مهنة التسول وفق ما كتب في خانة kyc أو know your customer (إعرف عميلك) في ملفها في أحد أهم المصارف اللبنانية.نعم، وضعت فاطمة في خلال عدة سنوات من التسول في حسابها المصرفي ما يفوق المليون دولار أميركي من وراء التسول الشرعي والذي لا يٌعتبر جريمة في القانون رقم ٤٤ لمكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب.
فاطمة التي تستفيد من خدمات وزارة الشؤون الإجتماعية (كما تشير الصورة المرفقة) أتقنت مهنة التسول طيلة سنوات في منطقة البربير حيث قضت سنوات من عمرها داخل سيارة مرسيدس غير صالحة للسير.. جميع سكان المنطقة يعرفونها ومن لم يتعرف عليها أو يسمع بقصة المقعدة المتسولة في البربير، لا بد أن رآها في تلك الصورة الشهيرة لجندي في الجيش يساعدها على شرب الماء.صورة جعلت يومها قائد الجيش العماد جوزف عون يستدعي ذلك الجندي الى مكتبه،ويصرف له مكافأة مالية تكريماً له.
قبل أسبوعين تعرضت فاطمة لوعكة صحية أثناء زيارتها والدتها، فعرضتها عائلتها على أحد الأطباء في منطقة عكار إلا أنها رفضت البقاء في البلدة وتوجهت إلى بيروت حيث تسكن، إلا أن صباح الثلاثاء كان نهاية حياتها.ويروي مختار بلدتها أن عائلة فاطمة المؤلفة من والدتها وسبعة أشقاء، كلهم فقراء، تسعى الآن إلى تكليف محامٍ لمتابعة دعوى حصر إرث لتبيان كامل ثروتها.
التسول في لبنان والعالم مهنة واحتراف..ففي العاصمة الفرنسية باريس على سبيل المثال تمتلئ الشوارع بما يعرف بالكلوشار clochard وهم مواطنون من دون منزل يأويهم ولا وظيفة تعيلهم يقضون أوقاتهم بشرب النبيذ وبالعزف على الآلات الموسيقية للمارة سبيلاً لنيل بعض اليوروات منهم. حال باريس ليس أفضل من حال عواصم أخرى يعيش فيها من يعرفون بالـ homeless أي أشخاص من دون منزل يتسولون في الشوارع.أما في لبنان، فظاهرة التسول غالباً ما تكون مزيجاً من الاحتيال والسرقة مع كثير من التمسْكن. فعند هذا التقاطع متسول يرتدي ثياباً بالية مهترئة وفي تلك الساحة إمرأة تحمل أطفالاً صغاراً لاستدرار شفقة المارة وما إن يتوقف السير في الطرقات العامة حتى يأتي أحدهم على كرسي مدولب ماسكاً بيده تقارير طبية يستخدمها في طلب المعونة من السائقين.وتكثر الأساليب وتتجدد والمواطن الإنسان يقع في فخ "النصابين" وليسوا بقلائل..
وبعيداً من كل تلك الأساليب القديمة منها أو المتجددة، يبقى واجب الدولة بشكل عام ووزارة الشؤون الإجتماعية بشكل خاص الإهتمام بالمعوزين والمشردين وبدل أن يحسن المواطن إليهم مالياًً ، بإمكانه إرشادهم الى الجمعيات الخيرية التي لا تبغي الربح وتكرس أهدافها خدمة للإنسان المحتاج حقيقة لا من يستغل طيبة الناس بغية سرقتهم. وما قصة "المليونيرة فاطمة" التي لا تصدق إلا نموذج عن إستغلال الإنسانية في لبنان وما أكثره في أيامنا هذه.

المصدر: Kataeb.org