بشير الجميّل...عن رئيس قوي حلم وحكم من دون الحاجة إلى صلاحيات!

  • محليات
بشير الجميّل...عن رئيس قوي حلم وحكم من دون الحاجة إلى صلاحيات!

ليس صحيحا ما يقال عن أن نوعا من  "لعنة القدر" تلاحق اللبنانيين، إلى حد منعهم من تحقيق أحلامهم في وطن يلبي طموحاتهم، ويكون على قدر تضحياتهم الكبيرة والكثيرة الممهورة بالدماء. ولعل الرئيس الشهيد بشير الجميّل و"ولايته" القصيرة هما البرهان الأكبر والأهم إلى ذلك.

فالرئيس الأصغر سنا في تاريخ الجمهورية اللبنانية جسّد، بما لا يقبل أي شك، الوطن الحلم، وطن الـ 10452 كلم مربعا، واستطاع بذلك أن يجمع حول شخصه ومبادئه وخطابه الرؤيوي البعيد المدى، كل أطياف النسيج اللبناني، بعدما كانت شوارع "الشرقية والغربية" تشهد على معاركهم في إطار ما سماها عميد الصحافة اللبنانية غسان تويني يوما "حروب الآخرين" على أرض لبنان. كيف لا وهو القائل يوما: "مهمتنا أن نبني وطن العام 2000 وليس إصلاح جمهورية الـ 1943" ".

غير أنه قد يكون من الظلم بمكان اختصار البشير وحلمه الكبير للبنان بالـ 21 يوما التي تلت جلسة انتخابه في 23 آب 1982، وإن كان جيل الحرب اللبنانية الذي شهد انطلاقة بشير الصاروخية في العالم السياسي لا يزال يتذكر 21 يوما استثنائية مرت على تاريخ لبنان الحديث وتميزت بانتظام قل نظيره في الدولة اللبنانية وإداراتها ومؤسساتها. ذلك أن قبل بلوغه سدة الرئاسة حتى أطلق هذا "الزعيم" الفريد سلسلة خطابات لا يزال صداها يتردد لدى من عايشوا بشير، فهم لا يزالون يذكرونه مطالبا بـ "تطهير الإدارات" وتوظيف الناس فيها على أساس الكفاءة معيارا وحيدا.

ولا يغيب عن بال كثيرين التذكير في هذا الاطار بالاطلالة الأولى لبشير عبر الاعلام الرسمي بعد انتخابه رئيسا، أو ما يعرف بـ "خطاب التلفزيون، في إشارة إلى تلفزيون لبنان، الذي خاطب عبره هذا "الرئيس القوي" شعبه التواق إلى وطن الـ 10452 كلم مربعا. ففي هذا الخطاب، قال الرئيس المنتخب الشاب عبارته الشهيرة: "أنا جايي أطلب منكن تقولوا الحقيقة.. قد ما كانت صعبة هالحقيقة"، واستهجن سعي القيمين على الوزارات إلى ضخ "جماعاتهم وأزلامهم" في شرايين الدولة وقطاعاتها الحيوية"، وهو ما اعتبر إشارة واضحة إلى تصميمه على محاربة الفساد. غير أن يد الاجرام والغدر منعته من تحقيق ذلك.

قد ينبري البعض إلى القول إن بشير كان رئيسا قويا فرض على الدولة ايقاعه من منطلق الصلاحيات الواسعة التي أتاحها دستور ما قبل الطائف لرؤساء الجمهورية المتعاقبين. لكن القدر والاجرام والغدر لم تتح له حتى أداء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب، ما يعني أنه لم يحتج حتى إلى الصلاحيات لتحقيق الوطن الحلم. سر نجاحه لم يكن في شخصه الاستثنائي فقط، ولا في الدعم الخارجي الذي تمتع به ترشيحه الذي "لم يكن للمناورة ولا للتراجع عنه"، على حد تعبيره في تموز 1982. بل كمن أيضا في انفتاحه على كل القوى والأطراف لبناء لبنان وطن المسيحيين والمسلمين، بما فيهم ألد خصومه السياسيين. ويضرب المثل هنا بمساعي "المصالحة" التي بادر إليها بشير مع عميد الكتلة الوطنية ريمون إده، رجل السياسة الاستثنائي والفريد هو الآخر، وصاحب الصراع التاريخي مع حزب الكتائب، والمعارض الشرس للميليشيات، "من حيث المبدأ".

وكما مع ريمون إده، كذلك مع الرئيس الراحل صائب سلام. فبمسعى من الرئيس الراحل الياس سركيس التقى سلام والجميل في قصر بعبدا للمصالحة. ويقول عارفون بكواليس تلك المرحلة إن اللقاء كان ناجحا إلى حد أن سلام "اندوخ" ببشير الجميل، الذي أكد له أن المسلمين سينالون (في عهده) 70% من منح التعليم مقابل 30% للمسيحيين، في تأكيد منه على تمسكه بالعيش المشترك، وإرادته في إرساء وطن نهائي لجميع اللبنانيين.  

كان بشير الجميل رئيسا استثنائيا بكل ما تحمله الكلمة من معان: فهو الشخصية الفريدة، الفذة، القادرة على جمع الصلابة في الميدان السياسي، بما يصفه بعض من عايشوه "العطف والحنان" على الناس لا سيما منهم كبار السن والأطفال. وهو أيضا ذلك الرجل الوطني المؤمن بلبنان... حتى الاستشهاد، ما يجعله الرئيس القوي بامتياز .. من دون الحاجة إلى الصلاحيات.

المصدر: وكالة الأنباء المركزية