بعض النقاط على بعض الحروف....

  • مقالات
بعض النقاط على بعض الحروف....

تكاثرت وتكثَّفت التلميحات المباشرة، كما المتواربة، عن اتفاق الطائف الذي انبثق منه المخرج أو الحل التاريخي لمأزق الحروب القذرة. مع تذكير مَنْ أُصيبت ذاكرتهم بداء النسيان أن ذلك الاتفاق أعطى لبنان دستوراً جديداً، وعصريّاً، حافلاً بالاصلاحات التي تجعل بلد النظام الديموقراطي نموذجاً فريداً في المنطقة... غير قابل للنزاع الرئاسي وتعطيل المؤسّسات.

لا يجوز تجاهل ما لذلك الاتفاق من حسنات. ألا يكفي أنه جعل لبنان يتصالح مع نفسه ومع مكوّناته المتعدّدة الطيف، وفتح أمام التطوُّر والتحديث آفاقاً ما كان في الإمكان بلوغها، لكنّها ويا للأسف الشديد لا تزال حبراً على ورق... "بفضل" تمسُّك أفرقاء معيَّنين بابقاء القديم على قدمه. ولغايات في نفس أكثر من يعقوب.
مئات المقالات، والتفسيرات، والتحليلات، والإشادات، نُشِرت في الصحف، وتُليت عبر الشاشات، ونوقشت في الندوات، وكلّها تدور في فلك الاتفاق والدستور الجديد.
مع التشديد دائماً على وجوب رفع "المنع" عن هذه البنود التي تنصف الجميع دون استثناء، وتعتق لبنان من حال الفراغ التي يعيشها منذ سنتين وشهرين، وتحول دون الحاجة إلى تعديلات هنا وتبديلات هناك. ويوم شيخة يوم فريخة.
وخصوصاً بالنسبة إلى قانون الانتخاب واللامركزيَّة الإداريّة، إلى الكثير من المواد التي تحمي الصيغة اللبنانيَّة من الهزّات، والحاجة دائماً إلى حوارات، وتعديلات وتسويات و...
لا يجوز الربط بين الفراغ الرئاسي وأي أمر آخر. فهذه الخطوة "الدخيلة" على التقاليد اللبنانيّة ليست من أجل خاطر بعض اللبنانيّين أو كلُّهم. ولا مبرِّرٍ لها لبنانياً. ولا فئة لبنانيّة تبنَّتها. وإنّما هناك مَنْ "يمون" بأساليب غير مألوفة لبنانيّاً، اغتنم فرصة "الهلاك" التي تتمرَّغ في نيرانها وخرابها ودمائها دول قريبة أو بعيدة من لبنان و"فرض" الفراغ.
مَنْ من اللبنانيّين، أو من دول المنطقة العربيَّة، والدول الأوروبيّة بلوغاً أميركا، لا يعلم علم اليقين الدولة التي تضع يدها على الاستحقاق الرئاسي؟
ليس إكراماً لهذا الفريق أو لذاك، إنّما تسخير الفراغ وذيوله خدمةً لمصالحها العالقة في صناديق أميركا. وعلى أمل وصول رئيس أميركي جديد إلى البيت الأبيض "يساومها" على هذه "الهديَّة الثمينة" التي تحتفظ بها في صناديقها.
الفراغ الرئاسي مشكلة خارجيَّة، ابتدعها مَنْ ذكرناهم لأسباب تتعلَّق بهم لا بلبنان.
ما من لبناني تعاطى هذا الأمر. ولا أحدٌ من المراجع والقادة والتكتّلات اتخذ قراراً "تلقائياً" بهذا الشأن المهم والخطير. ولم يسبق للبنان أن عرف تجربة كهذه، حتى إبّان الحروب القذرة.
إذاً، لِمَ لا يزيح مسؤول، أو متزعّم، أو مرجع الستارة عن هذه الحقائق، عوض الغرق في سجالات الرئاسة وقانون الانتخاب؟

 

 

المصدر: النهار