تفكير جديد لا تكفير

  • مقالات
تفكير جديد لا تكفير

لا تنطبق عبارة "إقرأ تفرح، جرب تحزن" على واقع العالم الاسلامي اليوم، بل يصح القول "اقرأ تحزن، جرب تزدد حزناً"، لان الواقع المعاش انطلاقا من فتاوى متعددة المشرب والهوى، يشي باستمرار التدهور والانكفاء عن التأقلم مع التقدم المنطقي للشعوب أياً يكن دينها او عقيدتها، لان الانسان مفطور على البحث عن الافضل لحياته ومجتمعه.

ما يحصل في العالم من تمدد العمليات الارهابية واتساع رقعتها انطلاقا من اراض او مشارب اسلامية من دون صدور موقف حاسم من الارهاب من المرجعيات الدينية العليا، والاكتفاء احيانا بالتذكير بأن قتل كل نفس بريئة هو حرام، من دون تحريم الفعل في ذاته، أكانت الضحايا بريئة ام لا، يقع في خانة المشاركة في الجريمة. ولا تكفي عبارات ان هؤلاء يشوهون الاسلام وهو منهم بريء الصادرة عن سياسيين في معالجة المشكلة الآخذة في التفاقم. ولا تكفي بيانات القمة العربية التي تدين الارهاب في التصدي لهذه الظاهرة من دون البحث في اساس المشكلة، لان القصف الجوي الدولي في محاربة "داعش" يشتت قوى هذا التنظيم لكنه لا يستأصل المشكلة بل انه يساهم في انتقال اعماله الى ساحات اخرى.

الاحد الماضي، دمرت السلطات الإيرانية مئة ألف صحن لاقط ووسائل استقبال أخرى للبث التلفزيوني بالأقمار الاصطناعية. واوردت وكالة "باسيجي نيوز" الناطقة باسم الحرس الثوري ان "كل المعدات سلمت طوعا من قبل المواطنين". وقال قائد "قوات التعبئة الشعبية" الجنرال محمد رضا نقدي إن "محطات التلفزيون الفضائية تؤدي بشكل عام الى الفساد وتدمر ثقافة مجتمعنا (...) ومن آثارها ارتفاع عدد حالات الطلاق وانتشار المخدرات وغياب الامن، لان هذه الشبكات (الفضائية) تضعف أساس العائلة وتضر بدراسة الشباب".

فهل يجوز في زمن الانفتاح الايراني على الاميركيين منع الناس من التقاط محطات العالم، وهل تخاف حضارة في عمر الحضارة الفارسية، او هل يخاف الاسلام في ايران فقط، من التلفزيونات العالمية، ويتحصن النظام بالانغلاق لمحاربة الفساد وتدمير ثقافة المجتمع؟ واذا كانت المخدرات تنتشر في اوساط الشباب فانها لم تصل اليهم عبر المحطات الفضائية بل عبر مافيات توزعها عليهم مقابل بدلات مادية. فهل يعاقَب القاتل ام القتيل؟

اجراءات "غير مفيدة" على ما قال الرئيس الايراني حسن روحاني بان "منع الاطباق اللاقطة يأتي بنتائج عكسية". صور مظلمة بلا شك لم تعد تحتمل موقف المتفرج. المسلمون في العالم مطالبون اليوم بمزيد من الانفتاح في بلدانهم والتثاقف الحضاري في المجتمعات حيث يقيمون بلا تفاعل حقيقي مع العادات والتقاليد المحلية، فيشعرون باستمرار انهم غرباء في محيطهم، ويسعون عندما تحين لهم الفرص، للانتقام من مجتمعات غالبا ما انقذتهم من ديكتاتوريات بلادهم وجور انظمة دولهم. وهذا الامر يتطلب طريقة جديدة في التفكير لا تقوم على منطق التكفير، وينطلق من الاعتراف بالواقع لا من الدفاع عنه.

المصدر: النهار