جبران تويني في ذكراه الـ 13: وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

  • محليات
جبران تويني في ذكراه الـ 13: وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

صحيح أن الزمن يمضي بلا هوادة في طي رزنامات أعمارنا، ولا يترك لنا إلا الذكريات وسيلة لاسترجاع بعض ممن تركوا في حياتنا بصمات لا تمحوها سيارات مفخخة ولا اغتيالات، ولا إرادات سوداء ولا أقدار قاتمة لا يخشاها الشجعان. ينطبق هذا التوصيف على الصحافي والنائب الشهيد جبران تويني الذي اغتيل قبل 13 عاما بدم بارد ووحشية قل نظيرها، إلى حد أن الانفجار الذي استهدفه ووضع حدا لحياته القصيرة لم يترك لوالده، عميد الصحافة اللبنانية العملاق غسان تويني "أي مجال لإلقاء نظرة الوداع الأخير" على فلذة كبده، كما يقول في كتاب سيرته الذاتية "دفن الأحقاد والثأر"، في استعادة للدعوة الشهيرة والشجاعة بامتياز التي أطلقها تويني في مأتم بكره المهيب في 14 كانون الأول 2005، داعيا إلى أن "ندفن مع جبران الأحقاد كلها والثأر".

على أن استعادة السياق السياسي الذي شهد انفجار 12 كانون الأول 2005 الذي هز منطقة المكلّس كما ضمائر اللبنانيين الأحرار، ولا سيما منهم الشباب منهم، تفيد بأن جبران الصحافي الذي أحبّ وطنه حتى الاستشهاد ذودا عن الحرية فيه، أزعج من لا يريدون للبنانيين وطنا سيدا حرا مستقلا، على قدر طموحاتهم وآمالهم وتضحياتهم الممهورة بدماء زكية كثيرة لم يتأخّر أصحابها في الذود بها عن الوطن. فلم يجد المجرمون أفضل من التصفية الجسدية وسيلة لإسكات صوت حر لا تزال ساحة الشهداء تردد صداه وتحفظ بين زواياها صرخات الحرية المدوية التي هتف بها جمهور 14 آذار يوما، تماما كما رددوا قسم النائب الشاب الذي لم يتح له قدره الأسود أن يتمتع بهذا اللقب طويلا، علما أنهم تركوا له "فرصة" وحيدة اغتنمها لإثارة ملف الجرح المزمن الذي يعانيه أهالي المفقودين والمخفيين قسرا، وهو ملف كرّس له كثيرا من افتتاحياته وأفردت له  صحيفة "النهار" صفحاتها على مدى عقود، علها تقود الأهالي إلى بصيص أمل في عودة أبنائهم . غير أن هذا الملف الشائك ليس الوحيد الذي ناضل في سبيله تويني، بل كان رأس حربة النضال السيادي الذي تجلّى بأبهى حلله في لقاء قرنة شهوان كما في التظاهرة المليونية الشهيرة في 14 آذار 2005، والتي يقول العارفون بكواليس الاستعدادات لها أن تويني كرس مكاتب صحيفته الرائدة في سبيل استضافة الكوادر الحزبيين والشباب للاعداد لليوم الكبير ايمانا منه بأن الجيل الصاعد صاحب الحق والدور الأكبر في رسم الخطوط العريضة للسنوات المقبلة. وهو ما حدا به إلى خلق ملحق خاص بالجيل الجديد أراده صاحبه مساحة حرة يعبر من خلالها الشباب من دون قيود من أجل قيم العدالة والحرية والسيادة.

وإذا كان لبنان لا يزال يضمّ بين نخبه السياسية بعضا ممن يحملون اليوم لواء هذه القيم، فإن ذكرى الشهيد تويني تحل هذا العام مثقلة بالتساؤلات عن مصير بلد تنهشه الأزمات، وتضمحل فيه تدريجا قيم مهرت المعارك التي خيضت في سبيلها بدماء فرسان شجعان يأتي تويني الذي ما تسلح يوما إلا بقلمه الجريء وفكره الحر في مقدمتهم، لمصلحة تسويات وتنازلات تكرس أعرافا جديدة بعيدة كل البعد عما كان تويني ورفاقه من أبطال ثورة الاستقلال الثاني يتوخونه أو ينتظرونه من وطنهم الحبيب، ما يجعل الأحرار والسياديين يفتقدون صوته وحماسته ومواقفه التي لا تعرف إلا الكرامات حدودا ولا تخشى رفع صوت الحق في مواجهة الباطل. صورة مطبوعة بحزن يتحكم بقلوب عائلة الشهيد ورفاقه والشباب الذين تأثروا بما حمله من أفكار تغييرية ، ولا سبيل إلى تعزيتها إلا... بتحقيق عدالة أرض طال انتظارها، تماما كما عدالة السماء..

المصدر: وكالة الأنباء المركزية