خاص: قصتي وبيار... ونـبـقــى

  • كتائبيات
خاص: قصتي وبيار... ونـبـقــى

 

كلما اقتربنا من ذكرى بيار، كآبتي تزداد سنة بعد سنة...

أكتب عن بيار وليس لبيار.. ليس بقدرتي مخاطبته أبداً.. مجرد ذكراه تصطحب معها أقله جروح لم ولن تلتئم.. دموع لطالما مسحناها... إشتياق لا يوصف !

 

الذكرى الأولى

في أحد ايام تشرين الثاني، منذ حوالي العشر سنوات، وبينما كنت أقدّم واجب العزاء لصديق في مأتم أبيه، التقيت يومها بالشيخ بيار الجمّيل يتقبّل التعازي إلى جانب عائلة الفقيد، جلست بعيداً أتأمل ذاك الشاب السياسي الذي لطالما سمعت عنه، ولكن لم تتسن لي الفرصة لمقابلته وجها لوجه، لحظات مرّت تبادلت خلالها الحديث مع من كان بجانبي، لأتفاجأ بأحد يضع يده على كتفي، إلتفت لأراه أمامي متبسما، يستأذنني ليجلس بقربي... وهنا بدأت قصتي مع البطل بيار الجميل.

بعد تبادل الأحاديث وتعارف بدأ بسيطاً، لنعود و ندخل في التفاصيل، ترى بيار الجميّل يدخل قلبك من دون أذن مسبق، يحتله من دون مبرر، يستثمره من دون أي عقد، ليعود وينتقل في عقلك وتفكيرك ، ويضع امامك ما يشغل بالك المدفون في اللاوعيك، دون أن تدري كيف ومتى حصل ذلك وبأي حق ...! كل ما تشعر به وكأنك انتقلت من ضفة الى اخرى وكأن الزمان التفّ عليك ورماك بزمن مجهول.. ليعود ويضع خطّة للمستقبل، المستقبل بشكل خاص وعام ، تكون أنت في صلبه ومحركه الأساسي… فتجد نفسك موافقاً ومشاركاً في حلم  رماك الزمان فيه من تفصيل وتخطيط وهندسة الشيخ بيار أمين الجميّل.

 كل ذلك كان في اللقاء الأول الذي امتد لساعات، قدرات لا متناهية، طاقة "سوبر" إيجابية، قناعة ذاتية، تواضع رهيب، براءة اطفال، غيرة صديق يبعث بك فرحاً داخلياً، عذراً هناك الكثير الكثير لكني لن أكمل ، فذكراه في كافة مزاياه مكلفة جدا في الصميم، لتتوالى اللقاءات ويبدأ العمل...

الذكرى الثانية

في أحد أيام تشرين الثاني وفي بداية آخر سنة مدرسية لي، يضعني أمام الأمر الواقع ويسألني: أي إختصاص قررت؟ أجبته: لم أفكر بعد، فرّد علي: عظيم ...لشو تعذّب حالك (مع الإبتسامة الملائكية الشهيرة) بإذن الله بعد إنتهائك من هذه السنة، تحضّر ملفك وتلتحق بكلية الحقوق ، وهذا ما حصل.. وبعد أن كان تشرين الأول شهراً مميزاً، أصبح الأفضل في حياتي بكل ما للكلمة من معنى.

مرّت الأيام وحققت ما اتفقنا عليه، وبدأت دراستي الجامعية في كلية الحقوق – جلّ الديب. إلا أن بيار لم يحقق ما وعد به الكتائبييّن واللبنانييّن، بل ذهب أبعد بكثير، ليسطع نجمه البراق، ويضيء سماء لبنان ويحّل بجهده الإستقلال الثاني سنة 2005 ، لألقاه يومها وأقول له : الهيئة كل استقلال ما بيتحقق الا بوجود شخص اسمه بيار الجمّيل...

لم أعد أعرف حدوده، في إجتماعاتنا الحزبية أسمع الرفاق يستبقون الإستحقاقات، ويطالبون به بأعلى المراكز الحزبية، في لقاءاتي مع أصدقائي ومحيطي يتبادلون هواجس المجتمع اللبناني عامة، والمسيحي خاصة، لترسو الآراء في ما بينهم على أن بيار الجميّل مشروع زعيم سيوحّد الصف المسيحي على الأقل، في جلساتي اليومية أسمع اللبنانيين يحللون السياسة ولا يلتقون إلا على فكرة ان بيار تليق به الرئاسة، فالمصالحة التي قادها في حزب الكتائب أثبتت قدرته القيادية العالية، بعد نظرته الإستراتيجية ونضوجه السياسي على الأصعدة كافة، والأهم  تلك الشعبية التي كان يتميز بها، حتى في المنزل، كان الأب المثالي، فكما يوزع المواعيد على العامة، كان موعده ثابتاً مع باتريسيا وأمين وألكسندر، " كل شي إلو وقتو"، حتى اللهو واللعب مع أولاده كان مقدساً، فهم بنظره بحاجة له كأب وليسوا مجبرين أن يتفهوا إنشغالاته بالسياسة، لتصبح قمة التفاخر، أن تكون صديقاً لبيار الجميّل أو مجرد أن تتعرف إليه شخصياً.

فعلاً أصبحت كما الكثير من رفاقي أفتخر بمعرفتي بالبطل بيار، إلى أن….هبّت عاصفة تشرين الثاني وحملت معها حلم رفاقي الكتائبييّن، حملت حلم أصدقائي ومحيطي، حملت حلم اللبنانيين عامة، حملت حلم باتريسيا وأمين وألكسندر.. حملت حلمي خاصة.. حملت بيار ورحلت، بيار رئاسة حزب الكتائب، بيار الزعامة، بيار رئاسة الجمهورية.. بيار الإنسان.. الإنسان الذي "ندمت" يوما أني تعرفت اليه.. نعم "ندمت" ! أياهما أفضل؟ أن تحزن على شخص فقدته في السياسة فقط؟، أم شخص عرفته في السياسة، في الحزن، في الأفراح، في الدراسة، في قرارتك المصيرية، في مستقبلك ومستقبل وطنك، في المنزل، في "إنسانيته ".؟، . كم من الشؤم فيك يا تشرين؟، لم أعرف يوماً الكره كما أكرهك منذ 9 سنوات حتى الآن، كم كنت خبيثاً حقيراً، متواطئاً بحقي وبحق لبناني.. لعنة الله عليك يا تشرين...

عرفناك على حقيقتك يا تشرين.. و لكنك لم تعرف إرادة اللبنانيين، إرادة الكتائبيين،الإصرار والعزيمة من مبادئنا، الشهادة من عاداتنا، رحل بيار الجميّل، ولد الآلاف من بيار الجميّل، بدأ بفخامة الرئيس وسامي ونديم ، وصولاً للإنتسابات التى قدمت إلى حزب الكتائب بعد استشهاده، فخلال ثلاث دورات انتساب على مدى الخمس سنوات الأخيرة ، إنضم أكثر من عشرة آلاف منتسب إلى الحزب، نهجهم نهج الكتائب اللبنانية، نهج بيار الجميّل.. ليكونوا جزءاً صغيراَ ممن أرادوا أن يثبتوا أن ولادة بيار أمين الجميّل أتت بعد استشهاده...

"مين قال انو بيار الجميّل مات، بيار الجميّل حيّ بكل واحد فيكن اليوم، كل واحد فيكن اليوم هو بيار الجميّل".

لـيـحـيـا لــبـنـان.. ونــبــقـــى...

المصدر: Kataeb.org