روبير غانم... عندما تتهاوى عروش المُشرّعين

  • محليات
روبير غانم... عندما تتهاوى عروش المُشرّعين

وكأن النائب والوزير السابق روبير غانم استطاع أن يكتشف باكرا ما يخبئه له قدره الأسود من مفاجآت حزينة، ستحرم لبنان أحد آخر المشرّعين الكبار في مرحلة ما بعد الحرب اللبنانية، ها هو اليوم يترجل عن الحلبة الدستورية والقانونية التي كان  فارسها الأول بلا منازع، تاركا فراغا قاتلا قد لا ينجح مرور الزمن في ملئه.. ولو بعد حين .

في زمن الشهية المفتوحة على الاستيزار والمناصب النيابية، والمقاعد التي ينتجها قانون انتخابي نسبي تبارى الجميع في الاعتداد بأبوته، فضّل روبير غانم، بكثير من الرقي والنبل و"الهدوء"، الانسحاب من المشهد النيابي والسياسي والتقاعد المبكر، فعزف عن الترشح إلى ولاية نيابية جديدة. راحة مستحقة أراد روبير غانم أن يتنعم بها مكرسا بعض الوقت لعائلته، بعدما أفنى الجزء الأكبر من حياته في المشاركة الفاعلة في صوغ وسن القوانين الهادفة إلى تأمين قيام دولة لبنانية قوامها  احترام الدستور وسيادة القانون وحسن سير مؤسسات دستورية تليق بأبناء بلد شلّعته الفوضى، وغابت عنه ثقافة القانون، وأطيح فيه الدستور بدم بارد كرمى لتسويات مباغتة احترف أهل السياسة طبخها في الغرف المغلقة، وفرضها على رجالات القانون والدستور و"الأصول الدستورية"، الذين يأتي روبير غانم في طليعتهم, لكن القدر رسم له مخططا آخر مطبوعا بالسواد، فأتته "الخيانة" من قلبه الذي سكت فجأة، فكتب المشهد الأخير من حياة غانم، إبن البيت المؤمن حتى العظم بمنطق الدولة والمؤسسات. كيف لا وهو البيت الذي منه خرج قائد الجيش السابق اسكندر غانم، الذي تسلم المنصب الأرفع في المؤسسة العسكرية في المرحلة الأدق من تاريخ لبنان.

على أن اثنين لا يختلفان أن هذا التاريخ نفسه، عندما يتفق اللبنانيون على كتابته موحدين كما طالب دوما المشرع الراحل، سيذكر دوما روبير غانم صوتا صادحا في القاعة النيابية العامة في ساحة النجمة، حيث مثل أبناء البقاع الغربي خير تمثيل (بين 1992 و2009) بعد استحداث المقعد الماروني في البقاع الغربي لأجله، للمطالبة باحترام الدستور وسن القوانين واحترام النصاب في التصويت وسواها من موجبات أي نائب يطمح إلى نيل رضى الناس في سياق النضال النبيل من أجل لبنان أفضل. مسيرة نيابية طويلة خاضها غانم بشجاعة وثقة ودماثة أخلاق إلى جانب الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسواه من حملَة راية الاعتدال في مواجهة التطرف، وتطبيق دستور الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية، من دون أن يحرمه ذلك هامش الحرية الذي حرص على تركه لنفسه في الحياة السياسية ليكون من القلائل الذين تجرؤوا يوما على وضع الاصبع على مكامن الجرح السياسي الحقيقي،  أي في النظرة إلى القانون والدستور واعتبارهما مجرد وجهة نظر "تبلّغ حيث تدعو الحاجة" حصرا.

على أن روبير غانم لم يرد أن يمر مرور الكرام في مجلس نيابي افتقر يوما إلى المشرعين الحقيقيين، من أصحاب النظرات الثاقبة والمواقف الصلبة التي لا تخطئ الهدف ولا توفر وسيلة ولا مناسبة لتصحيح  الاعوجاجات والتبيه إلى مغبة التمادي في التطبيع مع الممارسات القاتلة. فملأ هذا الفراغ، مستحقا بجدارة منصب رئيس لجنة الادارة والعدل، الممر الالزامي لكل مشاريع واقتراحات القوانين، قبل أن تبلغ مجلس النواب لتصير نصوصا تشريعية، تلزم الجميع. من سجله النيابي المشرف النادر، انتقل روبير غانم إلى ميدان العمل الحكومي، فكان وزير التربية المناضل في سبيل وضع كتاب التربية الوطنية والتنشئة المدنية في حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري الثانية، التي شهدت إحدى جلساتها انتقاله الجدي إلى حلبة المنازلات الرئاسية من باب... دعابة. ففي  "دردشة على الواقف" بين الحريري والوزيرين روبير غانم وبهيج طبارة، عام 1995، وفيما كان تمديد ولاية الرئيس الياس الهراوي نجم المداولات السياسية أمام الكاميرات  كما في الصالونات، خشي الهراوي "مؤامرة" سياسية حريرية. فسأل المدردشين بالعامية: "شو عم تتآمروا عليي؟" فسارع الحريري إلى طمأنته قائلا: "لا يا فخامة الرئيس.. نحن معك ومع التمديد إلك. لكن إذا تعذر ذلك، روبير مرشحنا للرئاسة". هكذا.. ومن حيث لا يدري، حول الحريري الوزير والنائب ومحامي كبار رجال الأعمال العرب إلى المرشح الرئاسي الدائم، الآتي من عالم المحاماة، إلى الفضاء السياسي الموبوء. لكن، إذا كان قدره لم يبتسم له رئاسيا وخانه باكرا، وعلى غفلة، فإنه ضرب له موعدا مع حب شهدت قصته صحيفة "لوريان لوجور"، كتبها المحامي روبير غانم، والصحافية فيفيان حداد في تجربة أثمرت أبناء وأحفادا، يفتقدون اليوم الزوج والأب والجد. تماما كما يفتقد لبنان فارس التشريع الأول وبطل الدفاع عن "المقدسات القانونية" والدستورية. قيم قد لا تكون تجد اليوم من يرفع لواءها بشجاعة. لكن حسب روبير غانم أنه كان يوما فارسا نبيلا في سبيلها... لم يجد لنفسه مكانا بين متقني التجوزات والتنازلات...

المصدر: وكالة الأنباء المركزية