روليت الرهانات اللبنانيّة والورقة الروسيّة...

  • مقالات
روليت الرهانات اللبنانيّة والورقة الروسيّة...

...والروليت هي لعبة طاولة، شائعة في الكازينوهات، تعتمد بشكلٍ كبير على الحظّ، وتتالّف من عجلة القيادة وكُرة تُرمى عليها، فإذا ما توقّفت الكُرة على العدد أو المنطقة أو اللون الذي تمّت المراهنة عليه، يكسب اللاعب الرهان، وأمّا قواعد اللعبة فواضحة وبسيطة، ولكن على اللاعب أيضاً معرفة أنواع الرهانات المختلفة المتاحة، في ما يُعرف بفئة الرهانات الداخليّة والخارجيّة، فاتّخاذ قرار الرهان الصحيح يُساعد اللاعب على الحصول على مكافآت مُجزية.

ليس عن عبث، احتلّت الروليت الصدارة، بين أروقة الكازينوهات والقصور المرموقة في لبنان، وتحلّقت من حولها الطبقة اللبنانيّة المخمليّة، من هامات ومقامات وزعامات، وتجّار وساسة وتماثيل شمعٍ، وسواهم من لاهثين وراء كُرسيٍّ هزّاز، فشغف الرهانات الخارجيّة والداخليّة، والولع بالمكسب الكبير، وقلب الطاولة على الخصم، تسري في عروق بعضهم، منذ زمن سباق الخيل المجاور لمقرّ المفوّض السامي الفرنسي في حرش بيروت، وربّما من قبل، من نحو من زمن الباب العالي، والملك فاروق، وجمال عبد الناصر، وأبو عمّار، وليس انتهاءً بالأشقّاء والحجّ الى عنجر.

والمفارقة المضحكة هي حالة الخجل المقرونة بشيء من العيب المستتر، التي كانت تُخالج الساسة في الزمن الغابر، عندما يكون هناك رهان أو تدخّل خارجي، لترجيح حظوظ مرشّحٍ رئاسي ضدّ مرشّح رئاسي آخر، أمّا في أيّامنا هذه فيبدو أنّ الخجل والعيوب والذنوب ولّت مع ذنوب ليالي العاشقين، وبات المتبارزون على حلبة الرئاسة، في سباق معلن للفوز ببركة هذا المحور، وبنوّة هذه الأمة، ملوّحين بالرياحين لمُطلق آتٍ، عاقدين آمالهم وأحلامهم على صولاته وجولاته، معوّلين على انتصاره، مستعيرين من انتصاره شيئاً من الانتصار مع وقف التنفيذ، منفّذين كلّ شيء لايقاق ما يمكن ايقافه، بانتظار.

البعض عندنا، يُراهن على دخول روسيا الى الميدان السوري، على غرار ما حلّ بالاتحاد السوفياتي في أفغانستان، ويمني النفس بقدرة الموزاييك السوري المشتعل على النيل من عزيمة بوتين، والبعض الآخر يضع كل ما لديه من بيضٍ طازج في السلّة الروسيّة، مطمئنّاً لقدرتها على حسم الأمر لصالح النظام، أو أقلّه تثبيت قدميه في دولةٍ قويّة، قابلة للحياة، بجغرافيّة ممتدّة على طول الساحل السوري المنفتح على البحر من جهة، والحدود اللبنانيّة الشماليّة من الجهة الاخرى.

وفي ضوء ما نشهد من أحداثٍ وتطوّرات متسارعة، وبعيداً من الأمنيات والأحلام الورديّة، من الواقعيّة السياسيّة الحديث عن تقدّم المسار التقسيمي في سورية على المسار التوحيدي، وعن بقاء النظام الحالي في مناطق نفوذه الحاليّة برأسه المعتاد أو بآخر مُستنسخ، اضافةً الى اخفاق تحالف القوى العربيّة والاقليميّة والدوليّة باسقاطه، أو صناعة البديل القادر على ضرب الارهاب وتسلّم مقاليد الدولة.

وفي ظلّ فشل الخطّة الأميركيّة لتدريب المعارضة المعتدلة، والتنامي المطّرد لأعداد المهاجرين الى أوروبا، وغياب أيّ حلّ منظور للصراع الدامي، يبدو أن القارة القديمة ومعها أميركا، قامت بتسليمٍ ضمني لمفاتيح الحلّ والربط في سورية، للخصم اللدود، ومن سخرية القدر، أن تكون تلك القوى عينها، قامت بتكليف سورية العام 1976، تنفيذ الروزنامة الدوليّة في لبنان، وسرعان ما امتدّ التكليف لعقود ثلاثة، يومها كانت تقضي المهمّة المقدّسة، بضرب منظّمة التحرير الفلسطينيّة، وشدشدة براغي النظام اللبناني المتداعي عبر ضخّ ماء الحياة في الحالة المسيحيّة المصابة بالوهن والتقهقر، الاّ أنه سرعان ما جنحت القيادة السوريّة آنذاك عن الروزنامة المحدّدة، ليستحيل معها الوطن الصغير ورقة كبيرة في الروزنامة السوريّة.

كل يوم يمضي، ونحن نشهد على المزيد من استنزاف الدولة، وانحلال وتفكّك للجمهوريّة، تارةً على يد حكّامها، وتارةً أُخرى على يد بعض المندسّين في الحراك المدني، كل يوم يمضي، ونحن نشهد على المزيد من الرهانات من سائر الأطراف، على طاولة الروليت بأرقامٍ وألوانٍ مختلفة، ما يجعل من طاولة الحوار في الموقع الثاني أو ربّما في آخر المواقع، وقبل أن تلتحم الطاولتان بطاولةٍ واحدة، وتنحسر الرهانات بالرهان على وطنٍ، وجمهوريّة وشعب واحد، على الرئاسة وعلى لبنان السلام.

المصدر: البلد