سعر النفط... عامل مهمل في أزمة الاقتصاد اللبناني

  • إقتصاد
سعر النفط... عامل مهمل في أزمة الاقتصاد اللبناني

منذ بداية العام، يسير سعر برميل النفط وفق مسار تصاعدي حاد، مرتفعاً من عتبة الـ52.17 $ للبرميل الواحد (برميل أوبيك الخام) في أوّل كانون الثاني الماضي، إلى حدود الـ69.66$ اليوم. بمعنى آخر، ارتفع سعر البرميل بنسبة 33 في المئة خلال الأشهر الأربعة الماضية، مدفوعاً بعوامل عدّة، من تصاعد العقوبات على إيران وتصاعد التهديدات بينها وبين الولايات المتحدة، وصولاً إلى الأزمة الفنزويليّة وتشديد العقوبات على النظام هناك. ومع تفاقم كل هذه النزاعات، ثمّة ما ينذر باستكمال هذا المسار التصاعدي القاسي للأسعار في الفترة المقبلة، خصوصاً مع استمرار سريان اتفاق خفض الإنتاج لمجموعة أوبيك حتّى منتصف هذه السنة، مع إمكانيّة تمديده حتّى نهاية السنة.

ميزان المدفوعات وفاتورة المحروقات
الاقتصاد اللبناني، الذي يعيش بدوره أزمة خانقة على عدّة صعد، لن يكون بعيداً عن تداعيات هذه التطوّرات في أسواق النفط، خصوصاً إذا تابعت الأسعار ارتفاعها وفق هذا المسار الحالي. فالجزء الأساسي من الأزمة القائمة اليوم، يتمحور حول مسألة عجز ميزان المدفوعات، أي صافي التحويلات الماليّة بين لبنان والخارج. وبالتالي، أي ارتفاع في فاتورة الواردات سيكون له أثر سلبي على حجم التحويلات إلى الخارج، وكلفتها على الاقتصاد اللبناني.

وبالأرقام، بلغت كلفة المحروقات المستوردة خلال عام 2018 حوالى الـ4.06 مليار دولار، وهي قيمة تمثّل وحدها خمس ما يستورده لبنان من الخارج. ومن الطبيعي أن ترتفع أو تنخفض كلفة هذه الفاتورة، بالتناسب مع ارتفاع أو انخفاض متوسّط سعر برميل النفط. وهكذا، من المتوقّع أن يؤدّي أي ارتفاع لسعر برميل النفط في هذه المرحلة إلى زيادة الضغط على تحويلات لبنان إلى الخارج بدرجة مؤثّرة. وبالتالي، إلى زيادة الضغط على الأزمة الاقتصادية القائمة في البلاد.

عجز الميزانيّة العامّة
حسب آخر الأرقام المتوفّرة للميزانيّة العامّة السنة الماضية، حتّى نهاية تشرين الثاني، مثّلت التحويلات لصالح مؤسسة كهرباء لبنان وحدها 10.5 في المئة من مجمل نفقات الدولة. في الواقع، يتناسب ارتفاع وانخفاض هذا الجزء من النفقات الحكوميّة مع ارتفاع وانخفاض سعر برميل النفط، خصوصاً أن هذه التحويلات تذهب تحديداً لتغطية عجز المؤسسة، الناتج بمعظمه عن شراء المحروقات.

فعلى سبيل المثال، بلغت هذه التحويلات لغاية تشرين الثاني من العام 2017 حوالى الـ1.1 مليار دولار، ومع ارتفاع سعر برميل النفط بنسبة 35 في المئة، ارتفعت التحويلات نفسها لغاية تشرين الثاني من العام 2018 إلى 1.6 مليار دولار. وهكذا، من المتوقّع أن يساهم أي ارتفاع مقبل لأسعار النفط هذه السنة في زيادة عجز الميزانيّة العامّة، بفعل زيادة قيمة التحويلات لصالح مؤسسة كهرباء لبنان.

الكلفة على المستهلكين
الكلفة الأقسى تبقى دائماً على عاتق المستهلك اللبناني. فحسب الإحصاءات التي تنشرها إدارة الإحصاء المركزي، ارتفع بين آذار 2018 وآذار 2019 المؤشّر العام للأسعار من 104.99 إلى 109.28، أي بزيادة نسبتها 4 في المئة. ومن أبرز العوامل التي دفعت إلى هذا الارتفاع في الأسعار خلال عام واحد، كان ارتفاع البند المتعلّق بالمحروقات والكهرباء والغاز وغيرها، حين ارتفعت الكلفة على المستهلك في هذا البند فقط بنسبة 4.65 في المئة بين الفترتين وخلال سنة واحدة. مع العلم أن الارتفاع في كلفة المحروقات على المستهلك لا يطال فقط كلفة بنزين النقل واشتراكات الكهرباء، بل يطال كذلك – وبشكل مؤثّر- ثمن السلع التي تدخل المحروقات ضمن تكاليف إنتاجها ونقلها وحفظها.

خيارات باهظة
في كل الحالات، يبدو أنّ مسألة أسعار النفط وتحوّلاتها في السوق العالمي، ستكون إحدى المتغيّرات التي ستترك بصمتها على مستقبل أزمة الاقتصاد اللبناني. خصوصاً أنّ اعتماد لبنان على الطاقة النظيفة ضئيل جدّاً اليوم، وقد تم إهمال أي مسعى لتطوير هذه المصادر. أما دعم النقل العام للحد من كلفة المحروقات فمازال خارج أجندة السلطة في لبنان. وهكذا، تضعنا السياسات الرسميّة أمام خيار وحيد: التعرّض لآثار تحوّلات الأسعار في سوق النفط، بشكل تام ومن دون أي ضوابط، خصوصاً في ظل المشاكل الاقتصاديّة القائمة أساساً.

المصدر: المدن