طاحونة فان خال.. عصريّة من العصر الحجري

  • رياضة
طاحونة فان خال.. عصريّة من العصر الحجري

تأخرت عجلات المنتخب الهولندي في الدوران فظننا للوهلة الأولى أن المنتخب عاجزٌ.

 

أكّدت هولندا مرة جديدة أنّها ترصد اللقب العالمي ولا شيء آخر بعد مباراة صاخبة أمام المكسيك تغلبت خلالها على جميع المعوقات الفنية والمناخية والظرفية لتخرج فائزة وطريقها لنصف النهائي معبّدة أمام منافس كوستاريكيّ قد يكون في حساباته قد توّج باللقب.

مواجهة المكسيك أظهرت مجدداً علو كعب المنتخب الهولندي، فبعد أكثر من خمس وخمسين دقيقة من اللعب العقيم انتفض روبن على الميمنة وانتفض معه زملاؤه واستباحوا المنطقة المكسيكية مراراً وتكراراً مدعومين من دهاء "فان خاليّ" لم يتأثر بإصابة يونغ المبكرة، ودفع بممفيس ديلاي ومن ثمّ بهونتيلار مكان الهداف فان بيرسي. لا يهم إن خلا الملعب من "فان" فالعقل المدبّر من السلالة ذاتها. وكانت ضربة معلّم قلبت المباراة وقلبت مزاج "لا تري" من فرح إلى غمّ.

البعض راهن أنّ المزيج اليافع والمخضرم بشقيه الدفاعي والهجومي سيدفع ثمن التفاوت باهظاً بعد نهاية الدور الأوّل إلا أنّ الواقع البرتقاليّ أثبت غير ذلك أمام مكسيكيين يتقنون الكرة وفنونها ويجيدون ترويضها في المساحات الضيقة كما روضوا وصيف 2010 طوال الشوط الأوّل، إلا أن إهدار كمّ من الفرص واستعجال العبور بانكفاء مبكّر وسحب دو سانتوس روّضهم بدوره فأخرجهم. لعلّ في الانزلاق المكسيكي السادس توالياً من ذات الدور أمثولة تعود بالنفع في الرحاب الروسيّة.

إذاً بعد إسبانيا - أوروبا وأستراليا – (آسيا، أوقيانوسيا) وتشيلي – أميركا الجنوبية، ها هي الطاحونة تعرّج على الشمالية وتطحن أفضل منتخباتها بظرف نصف ساعة مجنونة بعد تأخر دوران عجلاتها الحجرية لسببين، أولهما عقلية ميغيل هيريرا الانقضاضيّة الثائرة وجوع لاعبيه الهائل لتحقيق الفوز، وثانيهما الحرارة الرهيبة الأكثر فتكاً بالأوروبيين من منافسيهم الشماليين، فكان توزيع مجهود اختار الهولنديون الصبورون ثقله في الشوط الثاني عكس منافسيهم.

صحيح أنّ لويس فان خال بنى منتخبه على الثلاثي الهجومي روبن - فان بيرسي - سنايدر ومن ورائهم يونغ-كاوت للتوازن إلا أن البقية اليافعة أثبتت انسجاماً ونضجاً لحينه أكّد ظنّ أهل البيت بكثرة إيجابيتها "وجود لاعبين يافعين يعطي حيوية للمنتخب وقدرة أكبر على التحمّل والركض وتأمين الهجوم بكرات أكثر" كلام قاله رود خوليت لموقع beIN SPORTS في تصريح سابق خلال الدور الأوّل.

وبالفعل فقد أثبت خط الظهر المكوّن من دالي بليند (23 عاماً) نجل نجم التسعينات داني، وستيفان دي فري (22 عاماً) والأكثر خبرة رون فلار (29 عاماً)، ولاعب الارتكاز جورجينيو فينالدوم (23 عاماً) ومن خلفهم الحارس ياسبر سيلسن (25 عاماً – مستوى متأرجح)، أثبت قدرته على إرساء دعائم الاستقرار الفني الدفاعي لشق الفريق الهجومي، ما يتيح لروبن وسنايدر الإغارة دون خوف على أراض "معادية".

ولأن الكرة الهولندية وفان خال تحديداً معروفان كونهما أكثر من يعتمد على إنتاج محلي يافع، فإنّه ليس في الأمر غرابة إن رأينا مجموعة نصفها شاب من الدوري الهولندي، تبدع على منصات الخبراء خصوصاً مع فان خال، وهو الذي قاد أياكس للقب الأبطال عام 1995 في الدقيقة 85 ! وبتشكيلة تسع منها هولندي ومعظمها طري العود مثل إدغار ديفيدز 22 عاماً وكلارنس سيدورف 19 عاماً وأدوين فان درسار 25 عاماً وأوفرمارس 22 عاماً، بقيادة مخضرمة آنذاك من والد دالي، وداني بليند وفرانك ريكارد والفنلندي الشاب وقتها ياري ليتمانن.

ثمّة من عاب الفوز الهولندي بحظ مطلق ساند المنتخب بعد مباراة أوجهها متقلبة، لكن قد يكون غفل عن البعض أنّ الحظ لا يخدم دوماً إن لم تستحقه وتسعى وراءه، ولربما في ذكاء فان خال مخاطرة برهانه على الحظ والفوز في آخر ثلث من اللقاء وقد تحقق أسطورياً في بضع دقائق قاتلة، إلا أنه يعكس حسن تدبير بدني-مناخي وفي المقابل سوء إدارة من هيريرا في توزيع مخزون فريقه اللياقي، ولربما خذله أيضاً البرتغالي بدرو برونشا ووقتان مستقطعان غير اعتياديين رحما الإنهاك الهولندي أكثر، لا بل شحنا روبن فعاث بالرواق المكسيكي الأيسر دماراً وخراباً.

يبدو أنّ طاحونة فان خال تعتمد أسلوب الطحن التقليدي بالحجر، طحن يستهلك وقتاً أطول إنّما أكثر جودة. لذا لمنافسي هولندا القادمين، تذكروا أن البرتقالي أكثر من يجيد استثمار الدقائق التسعين والحيل الجماعية العصرية، ولمن يشك فليشاهد سنايدر في احتفاليته كأكثر هولندي يخوض دوليات مونديالية (15).

 

المصدر: Al jazeerasport