في سبعينيات القرن الماضي، تظاهر الطلاب ضد ما سموه يومها «الامتحانات ــــ المصفاة». إذ شكّل مستوى صعوبة الأسئلة والعلامة اللاغية في اللغة الأجنبية «تصفية نخبوية» لاستبعاد تلامذة التعليم الرسمي وأبناء الطبقات الفقيرة. 
اليوم، يتحدث تربويون عن «تصفية» من نوع آخر لها علاقة بمصادرة تفكير التلميذ ومحاصرة الإبداع والتحرر العقلي والخروج من المألوف. لا يفصل هؤلاء بين واقع النظام التعليمي وحالة الانهيار العامة في البلد. وعليه، يجب أن لا يغفل النقاش محاولات تصفية القطاع العام ودور دولة الرعاية الاجتماعية وضرب الشهادة الرسمية وتأمين الطلاب ــــ «الزبائن» لعشرات الجامعات الخاصة. 
يقارب هؤلاء التربويون الأزمة بنيوياً. فما يجري حالياً لا يعدو تكييف التعليم مع شروط الامتحانات، بمعزل عن أي خطة تنموية وطنية، للإجابة على سؤال كبير: ما هو الهدف من الامتحانات الرسمية وماذا نريد لها أن تقيس؟ 
في المقابل، يعزو مراقبون ومصححون في الامتحانات هذا «النجاح الكبير» في السنوات الأخيرة، إلى أسباب مباشرة ومحددة، من دون التطرق إلى جدوى الاستحقاق ومدى صحته باعتباره موضوعاً يحتاج إلى بحث آخر. ومن هذه الأسباب: تنميط الأسئلة، التفلّت في المراقبة والغش في قاعة الامتحان، التساهل في أسس التصحيح من خلال «المايكروباريم» وإعطاء التلامذة علامة على أدنى التفاصيل، والطلب الدائم من الوزير والمدير العام بتبسيط الأسئلة ومراعاة وقت المسابقة. 

أزمة بنيوية 
هي بنية مأزومة تقوم على قرارات اعتباطية خارج أي تخطيط، يقول الأستاذ في كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية طنوس شلهوب، «فلا خطة تربوية متكاملة لكل مراحل التكوين الأكاديمي والمهني مرتبطة بمخرجات تلبي احتياجات اجتماعية واقتصادية وعلمية على المستوى الوطني العام. المخارج الأربعة المحددة لشهادة الثانوية العامة: العلوم العامة، علوم الحياة، الاجتماع والاقتصاد والآداب والإنسانيات، تؤدي إلى المزيد من العاطلين عن العمل من محامين ومهندسين متخرجي كليات العلوم وإدارة الأعمال وغيرها».
خطورة نتائج الامتحانات، بحسب شلهوب، أنها تفضي إلى خيارين: «إما أن الاستحقاق بلا جدوى وبالتالي لا داعي لإبقائه أو أن الدولة فاشلة وتعالوا لنلبي مساعي القطاع الخاص لخصخصة الامتحانات».