قضية رلى يعقوب: إفادات تغيب عن القرار الظني

قضية رلى يعقوب: إفادات تغيب عن القرار الظني

«أنا مخايل يعقوب، والدتي نجيبة، من مواليد 1948، أشهد أني، يوم وفاة رلى يعقوب، سمعت صراخ الجيران وهم يتهافتون إلى منزلها الواقع على بعد 30 متراً من بيتي. وصلت إلى المنزل ووجدت رلى مطروحة أرضاً وبدت يدها مجلوطة وتنز منها الدماء، وعيناها مقلوبتين إلى الأعلى. تمت مساعدة زوجها لنقلها إلى المستشفى. عدت لأتفقد البنات ووجدت الصغيرات الثلاث تبولن في ثيابهن، وسألت عما حصل فقالت لي إحداهن «البابا ضرب الماما». بعد قليل عاد زوج رلى كرم البازي من المستشفى فاستغربت عودته، فقال لي إنه مشغول. جمع بناته ودخل بهن إلى الغرفة وأقفل الباب وتركني في الصالون. بعد نحو خمس دقائق خرج وغادر».

 

هذه الشهادة التي أدلى بها مخايل يعقوب أمس لـ«السفير»، دوّنها نفسها في تحقيقات مخفر حلبا لدى استدعائه للإدلاء بشهادته إثر ادعاء عائلة رلى على زوجها بالتسبب بمقتلها. وهي نفسها التي تداولتها وسائل إعلام أمس، عارضة مكان ورودها في مستندات التحقيقات الأولية في مخفر حلبا.

 

يستغرب مخايل يعقوب عدم استدعائه من النيابة العامة في الشمال، ولا حتى من قاضي التحقيق للاستماع إليه، مؤكداً أنه صُدم عند صدور القرار الظني الذي اعتمدت عليه النيابة العامة لمنع محاكمة البازي وإطلاق سراحه. يؤكد الرجل لـ«السفير» أنه مستعد للذهاب إلى أي مكان يريده القضاء للإدلاء بما رآه «خدمة للعدالة».

 

إفادة يعقوب مثلاً لم ترد في القرار الظني الذي نتجت منه تبرئة البازي، ولم ترد إفادة إحدى جارات رلى والموثقة أيضاً في التحقيقات الأولية. تقول الجارة في شهادتها إنها وصلت إلى المنزل وشاهدت، غلاديس، الابنة البكر لرلى. أخذتها جانباً وسألتها أن تخبرها ماذا حصل. أخدت غلاديس بالبكاء، ثم روت للجارة التي يرد اسمها واضحاً في التحقيقات أيضاً، أن والدها قام بضرب والدتها بـ«الشفاطة»، ثم أقدم على ضربها. وطلبت غلاديس من الجارة أن لا تخبر أحداً بذلك كون والدها هددها بالقتل قائلاً لها «إذا بتقولي لحدا بدي أقتلك».

 

شهادة الجارة الموثقة أذاعتها وسائل الإعلام، ولم تذكر في القرار الظني. ولم تستدع هذه الجارة للاستماع إليها من جديد. ولم نر في القرار الظني الذي نشره مجلس القضاء الأعلى كاملاً أي إشارة إلى تهديد البازي ابنته كما أفادت الشاهدة الجارة ووثقه المحققون في المخفر.

 

عائلة رلى تتحدث أيضاً عن كم كبير من الشهادات التي تم توثيقها لدى أحد الكتاب بالعدل في المنطقة بانتظار قرار الهيئة الاتهامية في الشمال الذي قدمه محامي العائلة ريمون يعقوب. وأوضح يعقوب لـ«السفير» أنه لم يتبلغ حتى مساء أمس أي قرار بشأن قبول الاستئناف أو عدمه من قبل الهيئة الاتهامية نفسها.

 

وتتحدث المستندات التي تناولتها وسائل الإعلام عن الاستماع إلى شهادات بنات غلاديس بحضور عمتهن، شقيقة والدهن المتهم بقتل زوجته. شهادات الفتيات التي أخذ بها قاضي التحقيق واستند إليها في القرار الظني، جاءت بعدما كانت عائلة البازي قد أخذتهن من منزلهن ثم اصطحبتهن العمة إلى المخفر بعد وقت من وقوع الحادثة، وتم تسجيل إفادتهن بحضورها أيضاً. وسألت عائلة رلى أمام هذه المعلومات عن مدى قدرة الفتيات على قول ما سبق وقلنه للجيران الشهود في ظل حضور العمة، وبعد التهديدات التي أكدت الفتاة الكبرى عن تلقيها من والدها، بالإضافة إلى أنهن في عهدة عائلة الوالد. وتم الاستماع للفتيات بحضور مندوبة عن الأحداث في منطقة حلبا. وذكّرت مصادر حقوقية بالإفادة الأولية التي أدلت بها عائلة منال العاصي التي قتلت على يد زوجها أمام أهلها. قال أفراد عائلة العاصي إن ابنتهم وقعت عن السلم ليرتطم رأسها بـ«مجلى» المطبخ. طبعاً العائلة تراجعت لاحقاً عن إفادتها بعدما لم يقتنع رتيب التحقيق بأقوال أفرادها، وكذلك تقرير الطبيب الشرعي الذي كشف على منال قبل وفاتها وبعدها. ونحن نتحدث هنا عن والدة منال وشقيقها وشقيقتيها، أي عن أشخاص بالغين، هددهم زوج منال وخافوا، فكيف بفتيات صغيرات ولدت كبيرتهن في العام 2001.

 

يضاف إلى إفادتي مخايل يعقوب والجارة التي نقلت تلقي الفتاة الكبرى لرلى تهديداً من والدها، ترد في التحقيقات التي أضاء عليها الإعلام أمس إفادة العسكري الذي سمع شجاراً في المنزل وأصوات صراخ فحضر وأخذ ينادي على «أم سعد» وهي والدة رلى للاستفسار عما يحصل. جاءه جواب البازي قائلاً: «ما في شي». وهو ما يدل عن وجود مشكلة وتعارك في المنزل يتناقض مع إفادة البازي الذي قال إن زوجته كانت تهتم بطفلتها الرضيعة عند تعرضها للأزمة التي أدت إلى غيابها عن الوعي.

 

تعليقاً على القرار الظني، الذي خلا من هذه الإفادات، يرى المحامي نزار صاغية أن «من يقرأ القرار، يلحظ خلوّه من أي إفادة أو حجة وبشكل أعم من أي دليل ناف للبراءة، بالرغم من توافر أدلة كثيرة في هذا الاتجاه. وقد بدا بذلك وكأنه يأخذ من الملف كل ما من شأنه إثبات البراءة، مهما ضعفت صدقيته، ويتجاهل كل ما عدا ذلك مهما كان علمياً وموضوعياً. فلا يصار (أقله في القرار) إلى الموازنة بين أدلة البراءة وأدلة الإدانة، ويوجه قارئ القرار إلى الموافقة على النتيجة التي خلص إليها من دون تمكينه من تكوين قناعة موضوعية مستقلة».

وكان مجلس القضاء الأعلى، عبر مكتبه الإعلامي، قد دخل على خط السجال الإعلامي الذي تناول القرار الظني في قضية رلى بشكل غير مسبوق عبر بيانين انتهيا إلى نشر المجلس القرار الظني الصادر عن قاضي التحقيق. وحمل بيان المجلس دعماً للقضاة العاملين في الملف محذراً الإعلام من مغبة التعرض لهم.

 

ومن هذه الزاوية، توقف صاغية في مقال نشر على موقع «المفكرة القانونية»، عند دعم مجلس القضاء الأعلى للقضاة الذين تعاقبوا على ملف يعقوب، ورفضه أن يتم استعمال الإعلام «وسيلة ضغط للتشويش على حسن سير العمل القضائي». ورأى أن المجلس «بدا وكأنه تدرج من انتقاد عمل الإعلام إلى رفض تام لأي مساءلة إعلامية، على أساس أنها تشكل «وسيلة ضغط للتشويش» على القضاء، مستعيداً الخطاب السلطوي الذي كان سائداً في التسعينيات حيث ذهب وزير العدل آنذاك إلى وضع اقتراح قانون «تجريم المس بهيبة القضاء» تيمناً بـ«تجريم المس بهيبة الجيش». ورأى صاغية أن المجلس لم «يتكبد في أي لحظة عناء تفسير ما هو الخطأ المرتكب من الإعلام تحديداً. فكأنه بذلك يعلن ضمناً أنه لا يجادل في هذه العبارة غير الموفقة أو تلك (وكلها صغائر)، طالما أن ما يرفضه ليس خطأ معيناً إنما مبدأ التداول الإعلامي في قضية قضائية بحد ذاته (وهو تشويش يدخل ضمن الكبائر). وتالياً، يقول صاغية: «إذا سلمنا بما يقول به المجلس، نخلص إلى نتيجة مفادها أن المنظومة القضائية، بقضاتها وأطبائها الشرعيين، تعمل بشكل لا غبار عليه، وأنه ليس هناك أي شخص مهما بلغ نفوذه على الأرض اللبنانية يتدخل أو يجرؤ حتى على التدخل بالقضاء، وأن الإعلام هو الوحيد الذي يزج نفسه في هذه القضية، لا لسبب إلا الضغط والتشويش على القضاء.

 

وتوقف صاغية عند ما سماه «الأمر الثاني الخطير في بياني المكتب الإعلامي لمجلس القضاء، وتمثل في توجيه الرأي العام في اتجاه معين في قضية رلى يعقوب، وهو الاتجاه نفسه الذي حدده القرار الظني». وبالطبع، يطرح توجيه الرأي العام المكثف إلى الاطلاع على ما تضمنه القرار الظني أسئلة وجيهة، طرحها صاغية على الشكل التالي: «إما أن المجلس لم يطلع على كامل ملف القضية، ويكون موقفه في هذا الصدد بمثابة موقف مسبق مجرد من أي معطيات موضوعية أساسية، وإما أنه اطلع على هذا الملف، فاختار عن سابق تصور وتصميم أن يوجه الرأي العام إلى قراءة القرار الظني وأن يحصر أفق التفكير بأدلة البراءة التي أوردها القاضي فيه مهما كانت ضعيفة من دون سائر الأدلة التي استبعدها مهما بلغت قوتها، والتي هي قد تبرر الظن». ورأى صاغية أنه «في الحالتين، يكون من المشروع التساؤل عن موضوعية المجلس ومدى التزامه الدقة والمهنية اللتين طالب وسائل الإعلام الالتزام بهما. ولعل أخطر ما في حماسة المجلس في هذا المجال، هو أن من شأنها أن تضع الهيئة الاتهامية التي تتولى النظر في الاستئناف المقدم ضد هذا القرار، في موقف حرج يظهرها مظهراً مناوئاً للمجلس إذا ارتأت فسخه والتوسع في التحقيقات وفق ما يطالب به الإعلام». وعليه اعتبر أن بياني المجلس «يلامسان حدود الضغط والتشويش على الأعمال القضائية وبكلمة أخرى التدخل فيها، وكلها أفعال كان المجلس قد استسهل اتهام الإعلام بها».

 

وذكر صاغية بأن «أحد أعضاء مجلس القضاء الأعلى (القاضي رضا رعد) هو رئيس الهيئة الاتهامية في طرابلس والتي آلت إليها القضية»، سائلاً: «هل ينظر في الطعن أم يتنحى عن ذلك على اعتبار أن البيانات الصادرة عن المجلس الذي ينتمي إليه إنما تؤشر عن موقف مسبق في هذه القضية؟».

المصدر: السفير