كائنات غريبة جديدة في نهر بيروت

كائنات غريبة جديدة في نهر بيروت

في سياق متابعة موضوع تمساح نهر بيروت الذي كشفته "الجمهورية" سابقاً، والزيارات المتتابعة والدورية الى مصب النهر، لاحظنا تغييرات ملحوظة في حركة المياه من وقت إلى آخر، كدلالة على أن شيئاً يسبح تحت الماء بطريقة منتظمة، بحيث تتلاقى في بعض الأحيان الآثار، أو تمر بالقرب من بعضها، أو تسبح عكس بعضها.


القصة الكاملة


في البداية ظننّا أن هذه الآثار قد تكون للتماسيح التي تسبح تحت الماء. لكن وفي الوقت الذي كان التمساح يتشمّس تحت أنظارنا، تفاجأنا أن هذه الآثار التي تعدّى عددها الخمسة، بقيت تشق طريقها في المياه ذهاباً وإياباً، ومن ضفة الى أخرى. ما يعني أن هناك حوالى الخمسة تماسيح، إضافة الى الذي كان يتشمّس. لكن كانت حركة هذه الآثار سريعة للغاية، ما جعلنا نشكّك أن هناك كائنات أخرى غير التماسيح في النهر.


ومن باب الفضول، قرّرنا قدر الإمكان متابعة إحدى هذه الآثار لمدة تجاوزت الساعتين، محاولين معرفة هويتها، منتظرين ظهورها أو خروجها فوق الماء. وبحسب طريقة تنقّل هذا المجهول، بدا كأنه يعيش أيضاً منذ فترة في المصب، بحيث يتجوّل فيه على مزاجه، ويعرف المنطقة جيداً.


وبعد مرور حوالى الساعتين، ظهر رأس جسم غريب فوق الماء، وكانت المفاجأة. إنه حيوان مختلف لا علاقة له بالتمساح، الذي كان في ذلك الوقت يتشمّس. وكانت عملية تصوير هذا الكائن صعبة للغاية، لأنه كان يُخرج رأسه ليتنفس لمدة لا تتجاوز الثانيتين، لذا اعتمدنا على الحظ.

ولكن هناك أمراً آخر أدهشنا، هو أن هذا الكائن كان فضولياً أيضاً، وكان يراقبنا من حيث لا ندري. وهذا ما أظهرته كاميرات الفيديو التي كانت تسجّل ما يجري في النهر، بينما كنا نحاول التقاط الصور. وبعد معرفة طريقة تصرّف هذا الكائن، تمكنّا من رصده بشكل مباشر لمدة طويلة.

والغريب في الأمر، أن هذه الكائنات لديها بعض العادات التي تقوم بها التماسيح، كالصعود للتنفس فوق الماء، وهي تتشمّس في أعلى المصب تماماً كتمساح نهر بيروت الشهير. لكن ما يميّز هذه الكائنات، هو سرعة تنقّلها في الماء، وعدم ترك أي أثر، وحنكتها الكبيرة، بحيث أنه يمكنها ملاحظة الخطر عن بعد لتختفي بلمح البصر تحت الماء.


وكما في المرة السابقة مع قصة التمساح، وبعد متابعة دقيقة لها، تمكّن فريق من "الجمهورية" من تصوير أحدها، وهويسبح ويمرح ويتشمّس على مسافة قريبة من التمساح، الذي كان يستفيد من شمس لبنان الصيفية الحارقة، وعلى مسافة أقرب من الأقفاص التي وضعت للقبض عليه. وتتميز هذه الكائنات بأنف طويل كأنف الخنزير، ورأس يُشبه رأس السلحفاة، وهي بشعة بشكل لا يمكن وصفه.


نوع الكائن الغريب


للإطلاع أكثر على نوع هذه الكائنات ، قصدنا الطبيب البيطري الدكتور وليد درويش، الذي أكد بعد مشاهدة الفيديو والصور لهذا الكائن الغريب، أنه نوع من السلاحف النادرة المعروفة بالسلحفاة الأفريقية، أو السلحفاة النيلية، وإسمها العلمي "Trionyx triunguis"، وهي سلحفاة بحرية إشتق منها أنواع كثيرة من السلاحف مع مرور الزمن والتحولات البيولوجية.

وأكد عدم وجود دراسات كافية عن طبيعة عيش هذه السلاحف في المنطقة، مجدداً إستغرابه كيف يمكن أن تعيش هذه السلاحف في بيئة مصب نهر بيروت الملوثة. وتابع قائلاً: بعد تمساح نهر بيروت، ها هي السلاحف تظهر في المكان عينه، وهذا أمر يدعو للإستغراب، إذ أنه من المهم معرفة كيف وصلت الى المصب".


وعن السلحفاة الأفريقية قال : "إن السلحفاة الأفريقية تندرج تحت قائمة الزواحف المهددة بالإنقراض، وهناك محميات عالمية خاصة لها، وهي تعيش في أفريقيا وسوريا وتركيا ومصر، ويُقال أنها تتواجد في نهر العاصي في لبنان، وهي تسكن في الأنهر و في الأماكن الضحلة والهادئة نسبياً، وفي البرك وقنوات الأنهر الأساسية، لكنها تمر في مرحلة من عمرها تنتقل فيها عبر مياه البحر المالحة، من موطن الى آخر. وتتميز السلحفاة الأفريقية بأنفها الطويل ورقبتها الطويلة التي تمكّنها من إخراج رأسها فوق الماء من دون ظهور درعها، ومظهرها بشع جداً.

ويصل طول هذه السلحفاة ما بين الـ 40 والـ 90 سنتيمتراً، ووزنها يمكن أن يصل الى 45 كيلوغراماً، وهي ذات لون أخضر غامق مائل في بعض الأحيان إلى اللون الأصفر في المراحل العمرية المتقدمة، أما البطن والأطراف من الأسفل فتكون مائلة للبياض.

أما درع هذه السلحفاة، فهو عبارة عن جلد قاس مسطح، وليس كدرع السلحفاة العادية المكون من العظام، لكنه يؤمن لها الحماية الكافية. وهي لا تستطيع سحب رأسها أو أطرافها إلى داخل درعها كما السلحفاة العادية، أما أطرافها الأمامية، فهي زعانف تساعدها على السباحة. ويتم التزاوج بين الذكور والإناث من هذا النوع من السلاحف التي تبني أعشاشها في الرمال.

ويتم وضع البيض من شهر أيار وحتى آب، حيث تضع الأنثى بين 30 والـ 70 بيضة، بحيث يفقس البيض خلال فترة الشهرين تقريباً، وذلك بحسب درجات الحرارة، ما يعني أنه إذا كان يوجد عدد كبير منها، يمكنها التكاثر بسهولة، ووضع البيض على الرمال في القسم الجنوبي للمصب حيث يلتقي النهر مع البحر".

وتابع درويش : "هذه السلحفاة نادراً ما تظهر بشكل عادي على الشواطئ، نظراً لقدرتها العالية وسرعتها على المناورة والإختباء والنزول إلى المياه، فلا يمكن صيدها مباشرة، وإنما تظهر عن طريق الصدفة في الشباك المخصصة للصيد، وهي تملك أسناناً قوية وحادة، لكنها سلحفاة لا تشكل خطراً مباشراًعلى البشر، إلّا أنها يمكنها أن تكون مؤذية عند الدفاع عن نفسها".

من أين أتت ؟


من المعروف أن السلاحف البحرية تهاجر لمسافات طويلة بانتظام بين مناطق الغذاء ومناطق التعشيش، ومن المعروف أنها تختار بعض الشواطئ الرملية المتميزة، وتستكشف ليلاً المناطق الهادئة والبعيدة لوضع البيض، حيث تحفر حفراً فى الرمال، وتضع البيض فيها بمعدل بيضة فى كل حفرة، ثم تقوم بطمرها في الرمل.


وقد تقوم الأنثى برحلات عدّة إلى الشاطئ لبناء أعشاش جديدة ووضع مزيد من البيض الذي يفقس بعد شهرين، حيث يتوجب على الصغار الزحف إلى الماء بعد التفقيس.

وهنا، نطرح السؤال نفسه، كما في المرة السابقة: كيف وصلت هذه الزواحف الى مصب نهر بيروت، وهل أتت من تلقاء نفسها، أو تم رميها هناك، وهل من الأجدى بدل القبض عليها وترحيلها، تحويل المصب الى محمية طبيعية تقصدها بالفطرة الحيوانات المهددة بالإنقراض، حيث تجد الأمان والسلام في بيئة مليئة بغذاء من الدرجة الأولى ؟

المصدر: الجمهورية