لئلا تنفجر سايفكو أخرى!

  • إقتصاد
لئلا تنفجر سايفكو أخرى!

سقطت "سايفكو"، العملاق العقاري العريق، وتعرّت العلاقات بين شركاء الشركة، وضاعت أموال الشارين، وبقيت الشقق هياكل باطون تنتظر مَن يتخذ القرار بالهدم أو بإكمال البناء... وهذا بالطبع مبكر جدا.

أثارت صدمة "سايفكو" القلق في نفوس اللبنانيين من سقطات متتالية لأعمدة طالما شكّلت أساسات القطاع الخاص. يُقال إن في فلك السقوط القريب، مؤسسات عقارية عريقة أخرى، ومؤسسات مجوهرات تعاني هي الأخرى تعثّرا ماليا. ليس الأخبار مفاجئة. فالركود الإقتصادي المتتالي منذ العام 2011، تاريخ بدء الحرب في سوريا، بدأ يترجم أثقاله أزمات وخنقات في قطاعات كان يفترض أن تشكّل الرافعة لإقتصاد لم يعد نموّه يخرج عن المعدلات التي تتيح دوران عجلة النشاط.

فمن الطبيعي ألا يلبي معدل 1.5% للنمو في لبنان سنويا، طموحات اللبنانيين الراغبين في الخروج من حال الضيق الإنتاجي التي بدأت تنذر بالأسوأ. والإعتماد معلّق على مؤتمر "سيدر 1" وأمواله، إن أجادت السلطة السياسية تطبيق الشروط الإصلاحية، إداريا وماليا وإقتصاديا.

لكن حتى اليوم، لا تبدو السلطة المتجددة في وارد ترسيم خريطة طريق جديدة تعيد إنتظام أمور الدولة والمواطن. ففي كل محطة-إستحقاق، بدعة خلافية تفجّر الهواجس وتخفّض منسوب التفاؤل. من الفشل في إستقطاب أصوات الناخبين بعد إنقطاع لنحو عقد، إنتقل اللبنانيون وبسرعة إلى مناكفات على حصص في حكومة ما بعد الإنتخابات، ترغب الأحزاب أن تعكس أحجام التمثيل لكل كتلة منها، إلى شائكة "فصل النيابة عن الوزارة" وصولا إلى مرسوم التجنيس المهرّب تحت جنح الظلام ومن دون تبرير...

لا تبدو أحوال قطاعات الإقتصاد وكأنها قادرة على الصمود أكثر، أي بمقدار حجم "فترة السماح" التي إنتزعتها السلطة السياسية لنفسها، بدل "طاقات فرج" يتطلع إليها اللبنانيون، وإن على تقطّع، لتتيح إلتقاط ما بقي لديهم من أنفاس. يدرك هؤلاء أن لا بحبوحة يمكن أن تعود إن لم تشهر الدولة اللبنانية سيف محاربة الفساد والإهدار لتفرض حال تقشف طارئة، يشعر معها المواطنون بأن الدولة تشاطرهم الهموم والهواجس إياها.

ليس مطلوبا أن تبقى مكافحة الفساد شعارا يتسكع على أبواب المسؤولين، ليبدو المادة الأكثر دسامة في جذب رأي عام لم تعد تجذبه الأقوال إن لم تُترجم أفعالا. من الحسن أن يصرّ الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في معظم إطلالالته الأخيرة، على تأكيد رغبة الحزب في إعلان الحرب على الفساد. إلتقى أولا مع حزب "القوات اللبنانية"، مذللا ما كان يعوق اللقاء تاريخيا، وتقاطعت رغبته مع خطوات سبق وسجلها حزب "الكتائب اللبنانية". وأمس، أحيط اللثام عن لقاء جمعه قبل أيام، بوزير الخارجية النائب المنتخب حديثا جبران باسيل، وكان عنوانه "مكافحة الفساد". وقيل إن الطرفين إتفقا على تصوّر أولي على أن يُلحق بآليات تطبيقية قريبا.

ولئلا تذهب تلك المحاولات سدى، يبقى على الحكومة الجديدة أن تتسمّى بتلك الحملة، أي "حكومة الحرب على الفساد" تمهيدا لمفاصل تسمح لاحقا ببناء الدولة، دولة المؤسسات، لا دولة سياسات تقاسم الثروات والمغانم حصصا، إن لم تتساوَ، تطلق العنان لتجاذب يعوّق ويسمّم مناخ الأعمال والإستثمار، ويذهب أحيانا إلى حدّ التأثير على المزاج العام، فيقلب الأبيض أسودا والأسود أسودا...

اليوم، يستأنف رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري مشاوراته بعد عطلة عائلية عطّلت الحركة السياسية في بيروت، لكنها لم تنجح في إسقاط مفاعيل مرسوم التجنيس في قبضة الإهمال العام، حيث لـ"الحق العام" الحق في طرح ألف سؤال وسؤال عن المعايير التي إعتُمدت والأسماء التي أفادت من جنسية لا يزال أبناؤها يعتزون بها أرزة شامخة، وإن جارت الأيام وأفقدت جواز السفر اللبناني سحرا سابقا.

ليس منتظرا مضمون المشاورات الحريرية حول شكل الحكومة الجديدة وحسب، لأن الأهم هو برنامجها الإقتصادي الذي يفترض أن يكفل بالتضامن والتكافل بين أهل السلطة، تخفيف حدة الأزمة التي تعصف بقطاعات إنتاجية كان يقدّر لها أن توّسع حصتها من الناتج المحلي الإجمالي، وتكبير حجم الإقتصاد لإستحداث فرص عمل جديدة تقي الخريجين والشباب شرّ البطالة والهجرة إلى بلاد لم تعد قادرة على إستيعابهم بسبب الركود العالمي. والأهم، وضع الآليات اللازمة لمحاربة الفساد الذي يعيث في الإدارة العامة ويفتح الباب على مصراعيه لإهدار قاتل للمال العام، فلا تعود الدولة في حاجة إلى جيبة المواطن، تنهل منها ما تستطيع من ضرائب ورسوم تغطية لعجز فاضح في الموازنة العامة. وتبقى قضية إصلاحات "سيدر 1" في ميزان الدول المانحة لتحرّر أسر الـ11 مليار دولار، قروضا وهبات هادفة إلى تحديث البنية التحتية الموزعة بأولويات مجدولة على المناطق كافة.

مناخ الإستثمار والأعمال في لبنان في حاجة ماسة إلى إستقرار داخلي حقيقي لا زغل فيه ولا مواربة، وإلى إرادة سياسية بتطبيق الإصلاحات وما يتفرّع منها بما يكفل تلقائيا محاربة الفساد. حكومة لبنان المقبلة أمام إمتحان إستعادة الثقة مجددا... هل تنجح لئلا تنفجر "سايفكو" أخرى؟

المصدر: Arab Economic News