لبنان في وضع لا يُحسد عليه.. فساد وإستحقاقات بالجملة!

  • مقالات
لبنان في وضع لا يُحسد عليه.. فساد وإستحقاقات بالجملة!

ليس لبنان في وضع يُحسد عليه... ومعظم الأحيان كان كذلك، لسبب تركيبته الفريدة التي أتاحت منافذ كثيرة لتغلغل الفساد إلى نظامه العام، حتى إستحكم وحكم عبر منظومة محكمة الأطر لا تتيح للصالحين ومحاربي تلك الآفة، النفاذ لمحاربتها إنفاذا لمطالب المجتمع الدولي.

هي سنة كل الإستحقاقات دفعة واحدة. من السياسة إلى الأمن فالإقتصاد. الكل في سلة واحدة تتأرجح وعلى مسافة واحدة، من الغرق أو الخلاص. اللبنانيون وعلى عاداتهم، ما زالوا يأملون ويحلمون ويمنّون النفس بالكثير من ترجمات لوعود لم يختبروا جيدا سابقاتها. فعلى باب الإنتخابات النيابية، يزدحم المعجم العربي بمفردات يحنّ إليها الواقع بفعل غياب مزمن فرضته تجاوزات البرلمان لإحترام عقود تجديد ممثلي الشعب، فكانت تمديدات تكررت لثلاث دورات بأعذار واهية حافظت على توزّع المقاعد وفق قوة الدفع لكل كتلة سياسية. والعزف على أوتار حساسة، هو بيت القصيد الذي يصيب في آمال المواطنين مقتلا مقارنة بواقع لم يتحرك على وقع معاودة إنطلاق القطار الدستوري منذ سدّ لبنان شغور موقع الرئاسة الأولى.

هي سنة برلمان وضع قانونا جديدا للإنتخابات ويحار في آليات التطبيق بحثا عن ضمانات تبقي صيغة التقاسم على حالها. هي سنة غاز ونفط توشك إسرائيل على إحكام قبضتها على قرار دولي لتأييدها في قضم 40% من منطقة إقتصادية متنازع عليها، طمعا بما تختزن في قعر بحرها من كميات تجارية صالحة للتصدير. هي سنة "سيدر 1"، المؤتمر الباريسي الذي إعتاد تجييش التعاطف مع لبنان، البلد المغلوب على أمره إقتصاديا والغالب في عصيانه على الإصلاحات حيث تبقي موازنة 2018 العجوزات المالية المتراكمة في خانة "قيد المراقبة"، وتوشك على نقلها إلى "الخط الأحمر" مع رفع العجز المالي الى 10 آلاف مليار ليرة بدل إدخالها بند "معالجة الإختلالات المالية" التي يطالب بها المجتمع الدولي.

مفاصل مؤلمة تعيد اللبنانيين إلى صفّ المواجهة. ففي محاولة إنتاج طبقة سياسية جديدة، يدرك هؤلاء أن منظومة الفساد المعمّمة ستقضي على محاولات التغيير الهادفة إلى إدخال "دم نظيف" إلى صفوف البرلمان. وقد يندسّ بعض المقاومين صدفة، إن أفلحوا في مقاومة الطوق المحكم الذي فرضته القوى الكبرى وحدّدت مواصفات المرشحين بحجم الأموال القابلة للتسييل خدمة لمطالب لوائح مقفلة على مَن يفتقر إلى مواصفات الثراء الفاحش.

وفي لقاءات الدعم، لم تنجح مؤتمرات باريس الثلاثة المتتالية محاولات منذ العام 2001 في إحياء عزم لبنان على محاربة الفساد والفاسدين في مقابل هبات مالية حصل على نحو 50 إلى 57% من تعهّدات المانحين الذين قدّموا 650 مليون دولار في "باريس 1" و5.7 مليارا في "باريس 2" و7.5 مليارا في "باريس 3". والسبب عجزه التاريخي عن المضي في الإصلاحات التي قدمها كوعود للمانحين، بما جعل "الغلّة" تقتصر على نحو 4.4 مليارات دولار من المؤتمرات الباريسية مجتمعة. وها هو اليوم يرغم "باريس 4" على تجاهل الإرتباط الوثيق بين التقديمات الدولية التي رفع سقفها الى حدّ الـ16 مليار دولار وبين إستراتيجية إصلاحية محفزّة للنمو مبنية على 5 عناصر أساس هي: تحديث الإقتصاد، الخصخصة، تصحيح الوضع المالي وترشيد الإنفاق، إدارة الدين العام والحفاظ على إستقرار القطاع المالي والنقدي.

وإن كانت تجارب المؤتمرات السابقة لم تلبِ متطلبات لبنان، فكيف الحال حاليا في ظل عداوة طارئة تستحكم بين أبناء الأسرة الخليجية، وخصوصا بين السعودية وقطر اللتين تشكلان قاطرة لمساعدات الأشقاء، يضاف إليها ضيقة عالمية تتحكم بالإقتصادات وترغم الحكومات على التأني في تقديم المنح والقروض، وإن كانت "مشروطة" بالمراقبة وحسن الإنفاق والتنفيذ؟ وكيف السبيل إلى تحقيق تناغم فريد يوفّق ما بين مساعدة لبنان كدولة عضو في الأسرة الدولية، وبين محاربة "حزب الله" الذي تصنّفه نصف الدول المانحة "إرهابيا" وتعمد بقوة القانون إلى قطع قنوات تمويل أنشطته في كافة أرجاء العالم؟

طلبت باريس من بيروت أخيرا العمل بشكل وثيق من أجل سلة الإصلاحات مع صندوق النقد والبنك الدولي. لا مبادرة بعد في ذاك الإتجاه. لكن، ألا يفترض إعادة النظر في كيفية إقناع المموّلين الخليجيين والدوليين، وإقناع اللبنانيين أنفسهم بوضع سقف متواضع للتمويل لا يفوق الـ4 أو الـ5 مليارات دولار؟ باريس بدأت توجيه الدعوات للمشاركة في مؤتمر "سيدر 1"، مستهدفة حكومات ومصارف عامة وخاصة وشركات كبرى. فهل تنشط الديبلوماسية اللبنانية على خط "تليين" بعض المواقف العربية تفاديا لمقاطعات يخشى أن تمتدّ مفاعيلها المعوّقة إلى دول المعسكر الخليجي؟

وليس البلوك رقم 9 هو العائق الوحيد لإنضمام لبنان إلى "نادي الدول النفطية". فالتحرك الديبلوماسي الأميركي على خط بيروت-تل أبيب لم يفض بعد إلى حلّ وسط يعيد القطار إلى سكته، ويحفظ للبنان حقوقه في المنطقة الإقتصادية الخاصة ويبعد إسرائيل عن طمعها بنسبة الـ40% منها. لكن إن بقيت الوساطات معلقة، وهذا ما تريده إسرائيل، لمَ  لا يبادر لبنان الى مباشرة عمليات الإستكشاف والتنقيب في البلوك رقم 4 في انتظار ما ستسفر عنه جهود الديبلوماسية الدولية في مسألة حلّ الخلاف الحدودي، إن أحسن لبنان خطاه، وشكا العدوان الإسرائيلي المتجدّد طمعا بثروة خزانات البلوك 9 ومن بعده البلوك 8؟

إستحقاقات عجز لبنان عن مواجهتها بالمفرّق. فهل سينجح عند إستحقاقها بالجملة وهو الذي حافظ على مرتبة متقدمة في الفساد تبقيه غارقا حتى أذنيه؟ هي سنة صعبة حتما. لكن، لا ضير من المحاولة والسعي لتحصيل ما أمكن من حقوق مجتمع يشارف على فقدان الأمل والحلم.

المصدر: Arab Economic News