مؤتمر الاستدانة سيدر: فساد مقونن وسياق السيطرة على الدولة

  • محليات
مؤتمر الاستدانة سيدر: فساد مقونن وسياق السيطرة على الدولة

يأتي مؤتمر «سيدر» وقبله قانون الموازنة العامة لعام 2018، في سياق السياسات الاقتصادية نفسها، المتبعة منذ عام 1993، التي حوّلت استخدام المال العام من تمويل الخدمات العامة الأساسية للمواطنين (كهرباء، مياه، تعليم...) والبنى التحتية (طرقات، شبكة اتصالات حديثة، صرف الصحي...) الضرورية لأي اقتصاد عصري، لمصلحة قلّة من أصحاب الثروة والسلطة، أو بتعبير آخر لمصلحة «الأوليغارشية»، متمثلة بلوبي الهيئات الاقتصادية والمصارف، المتحالف بشكل وثيق مع الطبقة السياسية. وربما أوضح دليل على ذلك، هو كيف تستنزف المصارف معظم الموارد المالية للدولة عبر فوائد الدين العام. بسطت «الأوليغارشية اللبنانية» سيطرتها على الدولة (State Capture)، بحسب تعبير البنك الدولي. ولعلّ ذلك أسوأ أنواع الفساد، كونه يأتي تحت ساتر القوانين والسياسات العامة للدولة. فيصبح الفساد منظومة محمية سياسياً وقانونياً، وحتّى إعلامياً واجتماعياً، أو ما يعرف بالفساد «المقونن» (Legal Corruption)، بحسب المصطلح الذي وضعه الاقتصادي المعروف في أعماله حول الفساد، دانيال كوفمان، الأمر الذي يجعل من محاربة الفساد عملية صعبة وطويلة، تقتضي فهم هذه المنظومة وتشريحها بشكل أفضل وأعمق.

نظام ضريبي فاشل وظالم

مع دخول لبنان عهد "النيوليبرالية" في مطلع تسعينيات القرن المنصرم، تمّ التأسيس لنظام ضريبي فاشل وظالم. حيث لا يوفر الموارد المالية الكافية للدولة، وخاصة في فترة ما بعد الحرب الأهلية، عندما كانت الدولة بأمس الحاجة إلى الموارد المالية من أجل تمويل عملية إعادة الإعمار، وإصلاح البنى التحتية والمرافق العامة المدمرة (كهرباء، مياه، طرقات، شبكات اتصالات...) وتفعيل المؤسسات (القضاء، الأمن، الإدارة العامة...)!

على الأرجح، حصل ذلك تمهيداً لخصخصة هذه المرافق، على قاعدة أن الدولة تاجر سيئ، وكأن مهمة الدولة التجارة بدل رعاية المواطنين! فتمّ خفض الضرائب على الأرباح إلى حدود دنيا، لا تتجاوز الـ 10%، بحجة تشجيع الاستثمارات، علماً بأنها كانت تصاعدية حتّى بداية التسعينيات، وتصل إلى حدود الـ 50% على الشطور المرتفعة (كتاب "ضرائب الدخل على الشركات في لبنان" للدكتور عبد الرؤوف قطيش).

 

وتمّ الاستعاضة عن الضرائب على الأرباح بالضرائب غير المباشرة، كالرسوم والضريبة على القيمة المضافة، التي تتنافى مع مبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة. حيث يتحمّل ذوو الدخل المحدود العبء الأكبر لهذه الضرائب، كونها تقتطع نسبة أكبر من مداخيلهم، بينما تقتطع نسبة زهيدة من مداخيل الأغنياء. فأصبحت الضرائب غير المباشرة تشكّل حوالى 68% من الإيرادات الضريبية، بينما الضرائب على الأرباح لا تتجاوز 11% من الإيرادات الضريبية، لعام 2016 بحسب إحصاءات وزارة المال. فكانت النتيجة ضعفاً كبيراً في مستوى الإيرادات الضريبية نسبة إلى الناتج المحلي، اذ لا تتعدى 13.5%، وهي من الأدنى في العالم، وفقاً لأحدث إحصاءات صندوق النقد الدولي التي شملت 73 دولة. إذ أتى ترتيب لبنان سادساً، لناحية مستوى الإيرادات الضريبية الأدنى نسبة إلى الناتج المحلي. فأصبحنا في مصاف الدول الفاشلة كروندا وأوغندا، التي لا تستطيع توفير الخدمات العامة الأساسية لمواطنيها، علماً بأن الضرائب تعتبر أحد الأسس في عملية بناء الدوّل.

 

المصارف تستأثر بالدعم

هذا العطب البنيوي في النظام الضريبي والنقص الكبير في الإيرادات الحكومية الناجم عنه، جعل الدولة أسيرة الاستدانة الدائمة من المصارف الخاصة. وهنا، يأتي دور السياسة النقدية ليفاقم الوضع عبر سياسة الفوائد المرتفعة المتبعة منذ عام 1993، وخدمة الدين الباهظة التي تكبدتها الدولة، من جرّاء ذلك. فكانت السبب الأوّل بانفجار الدين العام بهذا الشكل.

نذّكر هنا بأنّ سعر الفائدة على سندات الخزينة لاستحقاق السنتين، وصل إلى حدود 30% خلال عام 1995، حتّى بعد ضبط سعر صرف الليرة تجاه الدولار، منذ عام 1993! بينما وصل معدّل فائدة المدين، بحسب بيانات البنك الدولي للفترة الممتدة بين عامي 1993 – 2016 إلى 14%. و يعتبر هذا المعدّل مرتفعاً، وخاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار ثبات سعر الصرف منذ عام 1993، وانخفاض معدّلات التضخّم وخاصة في السنوات الأخيرة، حيث سجلت معدلات سلبية خلال العامين المنصرمين.

أصبحت خدمة الدين العام تستنزف أكثر من 95% من الإيرادات الحكومية في عامي 2000 - 2001! وبحسب كتاب "نهوض لبنان" الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي في عام 2016 (ص. 46 -47)، بلغت الفاتورة التراكمية لخدمة الدين العام، في الفترة الممتدة لأعوام 1993 - 2014، ما يقارب 60.5 مليار دولار، أيّ ما يوازي 33% من النفقات الحكومية التراكمية، لتلك الفترة. بينما، لم يتعدّ الإنفاق الاستثماري 16.5 مليار دولار، أي 9% فقط من إجمالي الإنفاق الحكومي للفترة نفسها، بما في ذلك كلفة إعادة الإعمار! علماً بأن المصارف تتلقى دعماً كبيراً من مصرف لبنان عبر شهادات الإيداع وما بات يعرف بالهندسات المالية. حتّى أصبحت توظيفات المصارف في القطاع العام، بين سندات الخزينة وشهادات الإيداع، توازي 60% من إجمالي توظيفات القطاع المصرفي. وبالتالي، فإن معظم مداخيل القطاع المصرفي وأرباحه تأتي من الأموال العامة. ذلك يعني ببساطة، أنّ القطاع المصرفي هو القطاع الأكثر تلقياً للدعم من الدولة! وبالتالي أصبح فعلياً جزءاً من القطاع العام. وأيّ إصلاح حقيقي، أو محاربة فساد، يبدأ أولاً من هذا القطاع المحظي.

 

تحوّل الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد ريعي

أدّت تلك السياسات إلى تحوّل الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد ريعي، منخفض الإنتاجية وذات معدلات نمو متدنية، حتّى وصلت البطالة عند الشباب إلى حدود 35%. فتوجّهت التسليفات إلى الاستثمار في الأوراق المالية ذات الفوائد المرتفعة، بدل القطاعات المنتجة. بينما التسليفات لقطاعي الصناعة والزراعة لا تتعدى 11% من إجمالي التسليفات.

كما أدّت تلك السياسات إلى ازدياد التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بشكل كبير، حيث حصلت عملية إعادة توزيع للمداخيل والثروة من أصحاب الدخل المتوسط والمحدود إلى أصحاب الثروات والمصارف. فالفوائد المرتفعة تعني أن المصارف ستتقاضى أقساطاً أكبر على ديون أصحاب الدخل المتوسط والمحدود، حتّى أصبحت 50% من قيمة الودائع المصرفية تتركز في أقلّ من 1% من الحسابات المصرفية.

أمّا حصة الرواتب والأجور نسبة إلى الناتج المحلي، فقد انخفضت بشكل حاد بعد الحرب الأهلية. ففيما، كانت تقدّر بأكثر من 50% في فترة ما قبل الحرب، أصبحت تقدّر بحوالى 40% في عام 1992. حتّى تقلّصت إلى حوالى 22%، في عام 2012، (عبد الحليم فضل الله، فخ اللامساواة، ص. 332 - 333).

ولعلّ أسوأ نتائج تلك السياسات، انهيار الخدمات الأساسية للمواطنين والبنى التحتية (الكهرباء، شبكات المياه والصرف الصحي، الطرقات، الاتصالات...). حتّى انحدر لبنان إلى أدنى المراتب من حيث نوعية البنى التحتية في العالم. ووفقاً للتقرير السنوي حول مستوى التنافسية في العالم لعام 2017، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فقد حلّ لبنان في المرتبة 113 من 137 بلداً، بعد بنغلادش ومالي، وقبل تنزانيا وإثيوبيا.

 

مؤتمر سيدر: الشراكة مع الخاص تثير الشبهات

يستحق لبنان دعم المجتمع الدولي بعدما تحمّل نتائج الحرب السورية المدمرة، فاستقبل ما يوازي ربع سكانه من الإخوة النازحين من سوريا. فبحسب الخطة المعدّة من الحكومة اللبنانية إلى مؤتمر "سيدر"، دفعت الأزمة السورية بنحو 200 ألف لبناني إلى تحت خط الفقر، إضافة إلى مليون فقير موجودين قبل الأزمة، التي أدّت أيضاً إلى ازدياد كبير في مستوى البطالة بحدود 250 إلى 300 ألف عاطل من العمل إضافي. فيما قدّر البنك الدولي الكلفة التراكمية للأزمة السورية منذ اندلاعها على لبنان بما يوازي 18.5 مليار دولار أميركي، ناجمة عن الانخفاض الحاد في الصادرات اللبنانية ومعدلات النمو وازدياد البطالة والضغط الكبير على الخدمات العامة (كهرباء، مياه...) والبنى التحتية.

قدّرت خطة الحكومة حجم الأموال المطلوبة لتمويل برنامج الاستثمار العام بحوالى 17,253 مليون دولار أميركي. تمتدّ المرحلتان الأولى والثانية من هذا البرنامج حتّى عام 2025. وهو يرصد حوالى 5,539 ملايين دولار لمشاريع المياه والصرف الصحي، 5,683 ملايين دولار للمواصلات، 3,592 ملايين دولار للكهرباء، و700 مليون دولار للاتصالات. ستموّل الجهات المانحة 10 مليارات دولار من هذه الخطة عبر قروض طويلة الأجل بفوائد متدنية، وستمول الدولة حوالى 2,253 مليار دولار، بينما سيموّل القطاع الخاص حوالى 5 مليارات دولار.

تُطرح الشراكة بين القطاعين العام والخاص بحجة النقص في التمويل، بينما المبالغ المطلوبة تفوق أساساً قدرة الاقتصاد على استيعابها، بشكل كامل. فما هو مبرر طلب التمويل من القطاع الخاص؟ وما هو مبرر كل الضمانات والتأمينات (الصفحة السابعة من وثيقة الحكومة الى مؤتمر "سيدر") التي تتعهد بها الدولة للقطاع الخاص، لتصبح مرّة أخرى أسيرة قرار أصحاب المال؟ ما هو الداعي لمحاولات الخصخصة المقنّعة للمرافق العامة عبر بدع الشراكة مع القطاع الخاص؟ ولا سيما في قطاعات حيوية كالكهرباء والمياه وقطاع الاتصالات والمطارات والمرافئ، بحسب ما جاء في ملاحق الخطة، علماً بأن تجربة خصخصة الجباية في كهرباء لبنان برهنت عن فشلها الذريع، فهي أدّت إلى انخفاض عائدات مؤسسة الكهرباء، وحرمان الموظفين في المؤسسة منذ أكثر من عشرين عاماً من حقوقهم.

 

هل الدولة هي تاجر فاشل؟

أنّ حاصلات الإدارات والمؤسسات العامة في الدولة، التي تتضمن إيرادات وزارة الاتصالات (وأوجيرو) وشركتَي الخلوي المملوكتين من الدولة، بالإضافة الى الكازينو والمطار ومرفأ بيروت... شكّلت ما يقارب 2,377 مليار ليرة في عام 2016، أي ما يوازي 17% من إيرادات الموازنة العامة. فهل إشراك القطاع الخاص هو لتحويل قسم كبير من هذه الإيرادات إلى بعض أصحاب الرساميل؟

يسود الخوف المشروع من أن يتحوّل دعم المجتمع الدولي إلى دعم نظام الفساد القانوني

 

ليست المشكلة في ما سترتبه هذه الخطة من ازدياد في الدين العام. فزيادة الدين العام مبررة إذا ذهبت لتمويل مشاريع ضرورية في البنى التحتية ترتد إيجاباً على الاقتصاد. لقد ذكرت خطة الحكومة الكثير من الإصلاحات المطلوبة، كالتطوير التقني لعمل وزارة المال وإدارة الجمارك ومكافحة التهرّب الضريبي وتحديث الإدارة العامة والمزيد من مكننتها. كما ذكرت الإصلاحات المتعلقة بزيادة الشفافية في المناقصات العمومية وتطوير النظام القضائي وغير ذلك... لكن المشكلة أن هذه الخطة تهرب من الإصلاحات البنيوية المطلوبة، وفي مقدمها، العودة إلى نظام ضريبي تصاعدي يحقق الإيرادات المطلوبة لتمويل الدولة بشكل فعال ويحقق بعض العدالة الاجتماعية. كما تهرب من الإصلاحات الضرورية في السياسة النقدية لخفض معدلات الفوائد وكلفة خدمة الدين العام، التي تأكل غالبية إيرادات الدولة وتسخّر المال العام في خدمة المصارف. فمن الضروري لنجاح أي خطة حكومية في الحالة اللبنانية العمل على زيادة إيرادات الدولة وخفض الفوائد على الدين العام.

يسود الخوف المشروع من أن يتحوّل الدعم المطلوب من المجتمع الدولي إلى دعم نظام "الفساد القانوني"، بحيث تتمكن "الأوليغارشية اللبنانية" من فرض المزيد من "السيطرة على الدولة" وتستكمل ضرب قدراتها، وهذا أسوأ أنواع الفساد. الخوف هنا، لا يأتي من فراغ، إنما هو مبني على التجارب السيئة مع هذه المنظومة الفاسدة ومؤتمرات مشابهة مع باريس 1 و2 و3.

المصدر: Kataeb.org