ماذا وراء زيارة ظريف لبيروت!

  • محليات
ماذا وراء زيارة ظريف لبيروت!

تشهد بيروت هذه الأيام تسابقا من موفدين خارجيين على زيارتها، في موسم انطلاقة الحكومة الجديدة، التي تترقب الدول المعنية بالوضع اللبناني مدى تأثرها بالنفوذ الإيراني، بعد أن تعطل تأليفها لمدة 8 أشهر وأسبوع بسبب مطالب طرحها "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" الذي تصنفه هذه الدول حليفا رئيسيا للحزب، على رغم التباينات التي ظهرت بينهما في الحصص الوزارية.
وسبق لبعض الأوساط أن توقع أن يغط المسؤولون الإيرانيون في بيروت فور مغادرة هيل لها، خصوصا أنه جاء في سياق الحملة الأميركية لحشد الدول لمؤتمر بولندا الهادف إلى زيادة الضغوط على إيران وإلى قيام ما يشبه "النيتو" العربي ضدها في الشرق الأوسط، إلا أن ظريف اختار مناسبة تأليف الحكومة للحضور.
وتقول مصادر سياسية بارزة متابعة للتحركات الخارجية في اتجاه لبنان بعد ولادة الحكومة ل"الحياة"، إنه إذا كانت زيارة ظريف تتم نتيجة قناعة إيرانية بوجوب استثمار تمكن حليفها "حزب الله" من ممارسة نفوذ كبير في عملية تأليف الحكومة لأنه استطاع مباشرة ومداورة، تأخير تأليفها حتى يحقق مطالبه بتوزير حلفائه، فمن باب أولى أن تسعى الدول العربية إلى قطع الطريق على محاولة طهران الاندفاع نحو تحقيق مصالحها على الساحة اللبنانية وتكريس نفوذها.
وتضيف المصادر أن طهران تسعى إلى كسب ود فريق في السلطة اللبنانية، وربما لهذا السبب جرى تسريب نبأ بأن ظريف قد يحمل معه أخبارا إيجابية حول إمكان الإفراج عن الموقوف اللبناني لديها نزار زكا. وفي رأي هذه المصادر أن طهران تسعى لاستخدام القوة الناعمة في زمن حاجة لبنان إلى المساعدات الخارجية، لمعالجة تعثر اقتصاده، وتسعى إلى الظهور بمظهر إيجابي عند اللبنانيين، للإيحاء بأن دورها لا يستند فقط إلى القوة العسكرية التي يتمتع بها "حزب الله". وهي قد ترمي أيضا إلى فتح الخطوط التجارية مع لبنان من دولة إلى دولة، لعلها تستفيد من العلاقة "الشرعية" مع النظام المصرفي فيه، للالتفاف على القيود المالية عليها.
إلا ان هذه المصادر تلفت إلى جملة ملاحظات حول مجيء ظريف، منها:
1- أن المسؤولين الإيرانيين ونصر الله يدركون سلفا أن لبنان لن يستجيب لعروضهم، لأن قادته غير مستعدين للتفريط بالمساعدات العسكرية الأميركية، التي يعتمد عليها الجيش. فواشنطن سبق أن اعترضت على استعدادات موسكو لتزويد الجيش بأسلحة، وأبلغت من يعنيهم الأمر في بيروت بأنهم أحرار في استحضار السلاح من مصدر روسي لكن عليهم أن يعتبروا أن السلاح الأميركي سيتوقف بالكامل، فكيف إذا كان الأمر مع طهران؟ ويذكّر أحد السياسيين اللبنانيين بتصريحات الرئيس السابق ميشال سليمان عن أن الجيش في عهده لم يتلقَ أي عرض إيراني جدي، على رغم الوعود من خلال التصريحات، فيما أكد غير مصدر أن الجانب الإيراني لم يقدم في أي مرة أي هبة عسكرية للجيش، بل أنه كان يتوقع مقابلا ماليا للسلاح الذي يعرضه. ويضيف: "لو كان الأمر يتخطى عروض العلاقات العامة، فمن باب أولى أن تنقل طهران سلاح الدفاع الجوي الذي وعد به نصر الله إلى دمشق، لمواجهة الغارات الإسرائيلية المتواصلة على قوات "الحرس الثوري" في محيط دمشق وغيرها من المناطق السورية. ويرى السياسي إياه أن هذا وسوابق أخرى، ما دفع القادة اللبنانيين إلى التصرف إزاء هذه العروض على أنها استعراضية وغير جدية. وفي مجال المساعدة الإيرانية حول الكهرباء، فإن المصادر البارزة تلفت إلى أن أمام الحكومة اللبنانية، قبل البحث بالعروض الإيرانية، تحدي الاستجابة للعروض الغربية المقدمة إليها في إطار "سيدر" بعرض لحل أزمة الطاقة من طريق شركة "جنرال إلكتريك" قدمته خلال مؤتمر باريس في نيسان (أبريل) العام الماضي، على أن ينجز بناء معامل الإنتاج خلال سنة وبأسعار أقل بكثير مما هو مطروح في مشاريع عقود حالية، فضلا عن عرض شركة "سيمنز" بمواصفات جيدة من ناحية السعر والتوقيت. وهي عروض ستشكل اختبارا للحكومة اللبنانية حول مدى سيرها بالمشاريع البعيدة من العمولات المرتفعة والنفعية لبعض المتنفذين.

2- تسجل المصادر السياسية البارزة أن توقيت زيارة ظريف يسبق ب3 أيام انعقاد مؤتمر بولندا الذي تنظمه الإدارة الأميركية الأربعاء المقبل، لمواجهة دور إيران في الإقليم. وهي بذلك تبعث رسالة من بيروت، التي امتنعت عن المشاركة في المؤتمر حين دعاها هيل إليه، نظرا إلى حساسية الأمر في العلاقات الداخلية ، وللحفاظ على مبدأ النأي بالنفس، بأن لها اليد الطولى في لبنان. وتريد التأكيد أنه امتداد لنفوذها في العراق وسورية، في مواجهة سعي واشنطن إلى تقويض دورها الإقليمي.

3- أن الحضور الإيراني إثر ولادة الحكومة، يأتي بعد أن بذلت موسكو جهودا في اتصالات جرت مرتين على الأقل خلال الشهرين الماضيين، مع طهران، كي تطلب من حليفها "حزب الله" أن يسهل قيام الحكومة في لبنان. وفي رأي المصادر السياسية البارزة أن طهران سلفت موسكو جهودا بذلتها في الأيام التي سبقت إنجاز الحكومة مع حلفائها النواب السنة ومع "التيار الوطني الحر" حول تمثيل هؤلاء، وتستفيد من الفرصة لتأكيد ثقل تأثيرها في لبنان، في مقابل التهديدات الإسرائيلية المتواصلة ضد وجودها في سورية التي تغض روسيا النظر عنها. أما عن الحضور العربي والغربي، فإن المصادر السياسية البارزة تشير إلى أنه ليس صدفة أن عواصم عربية أجلت إدلاء بدلوها في شأن انتهاء أزمة تشكيل الحكومة، في انتظار تلمس ردود الفعل على إعلانها وبيانها الوزاري، ودور "حزب الله" فيها.

المصدر: الحياة