ما هي الدلالات المتصلة بملابسات وفاة غزالة؟

  • إقليميات
ما هي الدلالات المتصلة بملابسات وفاة غزالة؟

اذا كان اسم رستم غزالة يرن في اسماع اللبنانيين اكثر من السوريين أنفسهم لارتباطه بالحقبة الأشد قتامة من عصر الوصاية السورية على لبنان فان ذلك لا يعني ان "تصفيته" المرجحة وفق معظم المعلومات والمعطيات المنطقية يشكل حدثا مهما بذاته امام الحجم الخيالي الذي بات عليه الانهيار التصاعدي للنظام السوري برمته. حتى ان هذه التصفية "التقليدية" في مسار سلوكيات النظام السوري وطبائعه الدموية اسوة بالكثير من الأنظمة الديكتاتورية التي اشعلت حروب الثورات العربية وفاقها شراسة ما كانت لتتخذ دلالات كبيرة لولا ارتباط غزالة بحقبة الأسرار المتكشفة تباعا في الحقبة التي شهدت انفجار الوصاية السورية بالانتفاضة اللبنانية عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

 

بهذا المعنى وضع كشف الرئيس سعد الحريري في حواره مع سائليه من المشاركين في ندوة مركز ويلسون الأميركي للدراسات والأبحاث في واشنطن عن اتصال غزالة باحد القريبين منه طالبا الاطلالة عبر تلفزيون "المستقبل" لقول "أمر ما لا نعرفه" تصفية غزالة في الخانة الأقرب الى الاستنتاجات المنطقية التي تدرج تصفيته اسوة "باستنحار" غازي كنعان سابقا اي في التخلص من ثقل محتمل اخر في ملف المحكمة الخاصة بلبنان التي على رغم كل ما سيق ويساق فيها تمضي قدما في جلسات المحاكمة بما يفاجئ كل من راهن على عامل التشكيك فيها. ولكن كشف الحريري لهذا التفصيل البارز يأتي في توقيت شديد الدلالة على ازدياد معالم تفكك النظام السوري اكثر من القضية المتعلقة بالظروف التي أودت بغزالة نفسه.

 

واذا كان من اهمية للدلالات والمعطيات والقرائن التي تتصل بملابسات الوفاة الغامضة لرستم غزالة بعد اقل من شهر على ما تردد من روايات عن تعرضه للضرب "القاتل" على يد نظير له في الأجهزة الاستخباراتية للنظام فلا شيء يشير الى ترجيح تصفيته اكثر من استمراره حتى ذلك الموعد في منصبه الأمني ومن ثم اختفائه فجأة عن مسرح الحدث. حتى انه ظل حتى ما قبل ايام قليلة على تواصل مباشر مع حلقة من الأشخاص اللبنانيين الذين ظلوا على تواصل معه وبادر مرة قبل اقل من عشرة ايام من انتشار خبر تعرضه للضرب ونقله الى احد المستشفيات في سوريا الى نفي خبر أوردته "النهار" في "أسرار الآلهة" عن إعادة تكليفه بعض الأمور المتعلقة بالملف اللبناني ونشرت "النهار" نفيه كما نشرته صحيفة لبنانية وموقع الكتروني لبناني آخران. هذا التفصيل يعني ان غزالة كان حتى ايام قليلة قبل ازاحته لا يزال يمارس مهماته في دمشق، وجاء اعلان الرئيس الحريري عن اتصاله بشخص يعرفه الحريري قبل يوم واحد من تعرضه للضرب ليثبت أيضا أن إزاحته توحي بارتباط حتمي لحركة ما كان يعد لها وتوحي بأن تطورات تتفاعل بقوة في شأن ذاك "الشيء" الذي كان يعتزم كشفه.

 

هذا في البعد الشخصي والفردي المتصل بحالة غزالة، اما في الدائرة الأوسع فإن الأمر يكتسب دلالة مختلفة لا يعود معها شخص غزالة ولا ملابسات إزاحته وتصفيته المرجحة بأهمية الدلالات المتصلة بواقع النظام أمام المتغيرات الميدانية المتسارعة في الفترة الأخيرة خصوصا والتي مني عبرها بخسائر مفاجئة كبيرة في مناطق استراتيجية كانت الى ما قبل أيام خلت تصنف في أطر الخطوط الحمر والمعاقل المستحيلة والعاصية على الاختراقات الميدانية للتنظيمات المعارضة أو الاصولية سواء بسواء.

 

 والواقع ان اي جهة محلية لبنانية أو خارجية غربية أو عربية لا تزال غير قادرة على توصيف وضع النظام من دواخله توصيفا دقيقا موضوعيا باستثناء على الأرجح ثلاثة أطراف اساسيين هم ايران وروسيا و"حزب الله" الذين يتصل بقاء النظام السوري بمصل امداداتهم المتنوعة له تسليحا وتمويلا ودعما قتاليا وبشريا ولوجيستيا على كل المستويات الاستراتيجية والتكتية.غير انه اذا كان لازاحة غزالة ان تشكل مؤشرا ولو محدودا لوضع النظام واركانه ورموزه فهو حتما مؤشر متقدم لا يقل برمزيته اهمية عن الحدث الغامض المدوي الذي أودى سابقا باربعة من كبار الضباط والمسؤولين العسكريين والاستخباراتيين ومن ابرزهم آصف شوكت.

 

 منذ ذاك الانفجار الذي أودى بالاربعة لم تعد صورة النظام الحديدي على حالها وان يكن "صموده" حتى اليوم علامة صلابة يصعب انكارها على خصومه علما ان ثمة الكثير من العوامل التي يدين فيها للبقاء لا سيما منها الافادة الهائلة من انفجار الظاهرة الداعشية التي يتهم بانه والدها الحقيقي ومستولدها الاصلي من اجل اغراق العالم العربي والغربي برعب ارهاب يمنحه سلاح الوقت وتحوير وجهة المواقف الدولية نحو هذا الرعب وجعله الأولوية التي تعوم النظام وتنأى عن أفظع الفظائع التي حلت بالسوريين.

 

 ومع ذلك فان معالم التآكل التي تضرب هذا النظام لم تعد في حاجة الى قرائن وادلة واثباتات خصوصا مع تسارع التطورات الميدانية الاخيرة التي أوصلت خصومه واعداءه المحليين أو الاقليميين الى حدود منطقة اللاذقية التي باتت مهددة بحصار السلفيين المدعومين من جهات اقليمية معروفة كما ان الوضع في مناطق اخرى ينذر بتآكل اضافي يبدو معه واقع النظام على مشارف التدهور التدريجي السريع وربما اسرع مما بنت عليه دول كبرى رهاناتها وحساباتها لخلفيات تتصل بمصالحها أو بملف المفاوضات النووية مع ايران أو بعملية دوزنة التوازنات الاقليمية في اطار الصراع الدولي – الاقليمي المتفاقم على نار الحروب المتدحرجة في منطقة الشرق الأوسط. بذلك لا يعود حادث ازاحة رمز من رموز النظام اكثر من مجرد تفصيل عابر.

المصدر: النهار