"مسؤولية فؤاد شهاب عن اتفاق القاهرة"

  • مقالات

في كتابه الأخير عن فؤاد شهاب، يحاول الصحافي أنطوان سعد تحميل هذا الأخير مسؤولية توقيع لبنان على اتفاق القاهرة الذي جرى في أواخر العام ١٩٦٩. كما يتضمن الكتاب، وبطريقة هامشية نسبيًا، الحديث عن دور بعض الأنظمة العربية، والتي من أهمها سوريا ومصر، كما عن دور بعض الأحزاب اللبنانية، والتي من بينها حزب الكتائب، في تنامي دور المنظمات الفلسطينية العسكرية في لبنان وإنفلاش سلاحها. نظرًا لأهمية هذه المرحلة التاريخية، والتي سبقت اندلاع حرب ١٩٧٥-١٩٩٠، ارتأينا وضع الكتاب تحت المجهر العلمي بهدف تقييمه.

في الاطار العام للكتاب، يفتقد هذا الأخير للمنهجية العلمية وهو يكاد يكون اقرب الى عمل صحافي منه الى كتاب يعالج موضوعًا تاريخيًا شائكًا. فالمنهجية العلمية تفرض تحديد اولاً الاشكالية التي يحاول المؤرخ حلّها، ويكون هذا الحل الفكرة الأساسية التي تنتقل من فصل الى اخر والتي تؤدي الى جذب القارئ. إلا أن الاشكالية في كتاب الصحافي سعد، كما الحل فقد أتيا في عنوان الكتاب، وما بقية الفصول والصفحات الا تجميع لمعلومات مختارة بدقة لملائمة الحل الذي توصل اليه الكاتب لإشكاليته. ومن الأخطاء المنهجية الأخرى، ايراد عدد كبير من المعلومات من دون ذكر مصدرها، متجنبًا ايضًا تحليلها، فعلى سبيل المثال يذكر (ص. ١٩)، شهدت ثورة ١٩٥٨ اول انغماس فلسطيني جدّي في الاحداث الداخلية، وان في نطاق محدود، بفعل التفاعل بين الفلسطينيين والمسلمين اللبنانيين. لا يجيد الكاتب كثيرًا الفصل بين ذكر المعلومات وبين ابداء رأيه، كما يحصل عند ذكره ان الموافقة الإسلامية على الصلاحيات الواسعة لرئيس الجمهورية، مقابل انخراط المسيحيين في مشروع انهاء الانتداب الفرنسية، لم تكن الا ظرفية ومؤقتة. فاذا كانت هذه الفكرة مجرد رأي، فهو بحاجة الى تدعيمه بقرائن، اما اذا كان مجرد معلومة فعلى الكاتب ذكر مصدرها ووضعها في اطارها الزماني والمكاني. ومن جهة أخرى، يستخدم في بعض الأمكنة لغة تجعل من بعض المعلومات، والتي ليس هناك من توافق عليها، وكأنها حقيقية تاريخية ثابتة، كقوله مثلا مع انتهاء ولاية الرئيس فؤاد شهاب في أيلول من العام ١٩٦٤، واختيار الأخير وزير التربية في حكومته الأخيرة شارل حلو لخلافته في رئاسة الجمهورية. كما وفي مجال اخر، يستند الكاتب من على بعض المعطيات التاريخية ليطلق منها استنتاجات كبيرة بحاجة الى تحليل من اجل تدعيمها ببراهين، فهو مثلا يتحدث (ص. ٥٣) عن الشهابية ذات الاتجاه الناصري المنحاز في النهاية الى المعسكر الشرقي الذي يقوده الاتحاد السوفياتي. ومن الأخطاء المنهجية الأخرى، ان العناوين الداخلية للكتاب لا تحترم السياق التاريخي للمعلومات، هذا عدا عن ان العديد من المعلومات غير مترابطة مع بعضها، ما يجعلها تبدو وفي كثير من الأحيان وكأنها خارجة عن الموضوع. وتحت اطار المنهجية ايضًا، هناك موضوع مصادر المعلومات، إذ يقوم الصحافي سعد بالاعتماد بصورة رئيسية، كي لا نقول وحيدة، على مذكرات سامي الخطيب غير المنشورة.يذكر هذا الاخير (ص. ٥٧) أنه "بنتيجة تبدل التوازنات والمعطيات، ارتأينا أن نرشو الرأي العام الإسلامي من خلال استرضاء ياسر عرفات وزيادة الانفتاح والتعاون مع التنظيمات الفلسطينية، من اجل ضمان أصوات النواب المسلمين، وفي الوقت نفسه، زيادة رصيدنا عند جميع العرب، الذين كانوا يجمعون على ضرورة دعم الثورة الفلسطينية". لا قيمة علمية لهذا الفكرة، بحكم عدم استنادها الى أي دليل علمي يؤكد مصداقيتها. إلاّ أنه وبالرغم من ذلك يعتمد عليها الصحافي سعد وكأنها حقيقة منزلة في تدعيم اشكاليتها الأساسية.

هذه الأخطاء المنهجية انعكست حكمًا على بعض ما جاء في مضمون الكتاب، الذي حمل الكثير من المغالطات التاريخية. يتحدث الكاتب (ص. ٤٦-٤٩) عن التحضيرات العربية لحرب ١٩٦٧ وعن جيوش عربية جرارة وتسليح ثقيل واستراتيجيات قتالية، ألا أن هذه المعلومة منافية تمامًا للحقيقة التاريخية، فكل الاستعدادات العسكرية للدول العربية كانت من دون المستوى المطلوب ولم تكن يومًا الجيوش العربية جرارة ولم يكن تسليحها ثقيلا ولم تكن تملك قط استراتيجيات قتالية، وذلك وفق اغلب الدراسات الغربية التي وُضعت في هذا الموضوع.في اغلب الكتاب يوصف الرئيس فؤاد شهاب، وخاصة قبل حرب ١٩٦٧ بأنه ذو قوة كبيرة مستندة على العلاقة مع نظام جمال عبد الناصر. فانطلاقا من هذه القوة لا يغوص الكاتب كثيرًا في تحليل إرادة شهاب في الاستقالة بعد ثلاث سنوات من انتخابه رئيسا، كما لم يأتي الكاتب على ذكر عدم إرادة شهاب في الترشح مرة جديدة عند انتهاء ولايته، وهو القادر على القيام بذلك، إذ وحسب الكاتب يمتلك فؤاد شهاب من القوة ما يمكنه من القيام بذلك. يتحدث الكاتب (ص. ٧١) انه بنتيجة تداعيات ونتائج هزيمة حزيران ١٩٦٧، وخسارة الانتخابات التشريعية في ربيع ١٩٦٨، وجدت الشهابية نفسها امام خيارين احلاهما مرّ. استنتاج غير مبني على معطيات علمية. وفي مجال اخر، يستنتج الكتاب، وانطلاقا من مذكرات كاظم الخليل غير المنشورة، ان المكتب الثاني سمح لعدد من الفدائيين، لم يتجاوز مئتي عنصر ليقيموا على الأرض اللبنانية في قضاء مرجعيون، بمحلة سمها العرقوب، وهي قريبة من الحدود الإسرائيلية (ص. ٧٥). هذه المعلومة، وبغض النظر عن الشكوك حول مصداقيتها، لا يمكنها ان تشكل دليلا على تحمّل فؤاد شهاب مسؤولية عن اتفاق القاهرة. ومن الأخطاء في المضمون أيضا، حديث الصحافي سعد عن مواقف رئيس حزب الكتائب بيار الجميل الداعمة في مكان ما للقضية الفلسطينية من خلال دعمه تأسيس "جمعية دعم القضية الفلسطينية والعمل الفدائي" في ٢٤ كانون الأول ١٩٦٨، اتى وكأنه حدث منفصل لا علاقة له بمجريات الاحداث وقتذاك. في حين ان وضعه في اطاره الزماني يجعلنا ندرك أهمية موقف رئيس حزب الكتائب وقتذاك، والذي شكّل في مكان ما محاولة أخيرة للتوفيق بين خيار الدولة اللبنانية وخيار العمل العسكري للفلسطينيين. كذلك يذكر الكاتب، وانطلاقا من مذكرات السفير الأميركي في بيروت دوايت بورتور، عن اهتمام بعض الأحزاب المسيحية، والتي من بينها الكتائب، على الحصول على السلاح خلال الازمة الحكومية التي سبقت التوقيع على اتفاق القاهرة عام ١٩٦٩.أن هذه المعلومة، وعلى أهميتها، كانت تستوجب تحليلا أوسع انطلاقا من الظروف التي كانت متوافرة يومذاك في الشارع المسيحي والذي كان يغلي غضبا ضد مظاهر المنظمات الفلسطينية المسلحة في شوارع بيروت والاحياء المسيحية منها.

ان كل ما أورده الصحافي أنطوان سعد في كتابه الأخير عن فؤاد شهاب لا يدفعنا بتاتًا الى تحميل الرئيس الثالث للجمهورية اللبنانية مسؤولية توقيع لبنان على اتفاق القاهرة. أن المسؤول الأول والأخير يبقى ومن دون أي منازع  السياسات العربية الفاشلة تجاه القضية الفلسطينية والتي بدأت منذ توقيع الأمير فيصل لاتفاقه الشهير مع وايزمن سنة ١٩٢٠ والذي بموجبه تنازل العرب رسميا عن فلسطين لإسرائيل. وان كان هناك من إيجابية علمية في كتاب السيد أنطوان سعد الا وهو مبادرته الى انتقاد جزء من سياسة الرئيس شهاب، ذاك الرئيس الذي مازال، وبحكم زهده السياسي وما انتجه عهده من إنجازات ساهمت في ترسيخ فكرة الدولة، يتمتع بنوع من الهالة الكبيرة. ومن الإيجابيات العلمية أيضا، قيام الكاتب بكسر بعض المحرمات حول علاقات بعض الأنظمة العربية بالقضية الفلسطينية والتي مازالت تتصف بالمزايدات الشعرية والأدبية. 

 

المصدر: Kataeb.org