مقالات

الضجة حول القمة الأميركية - الروسية

الضجة التي أعقبت القمة الأميركية- الروسية، لا يمكن فصلها عن السياق الشامل للسياسة الأميركية الحالية، وتناقضاتها الداخلية. كما يجب الأخذ في الاعتبار أن هذه الضجة المفهومة والمنطقية تجاه أداء ترامب في لقائه بوتين لا تقلل من دلالات وقراءات هذا الحدث، علماً أن التقارير الإعلامية ركّزت على تصريحات ترامب الإيجابية السابقة على انعقاد القمة وخلالها، وبخاصة إشارته إلى أنه سبق له التحدث أثناء حملته الانتخابية عن إيجابية إقامة علاقات ودية مع روسيا. ولم يمنع هذا الحديث عن وجود عدد كبير من ملفات الخلاف بين الجانبين لم يحدث اختراق في شأنها، وأهمها شبه جزيرة القرم، والاتفاق النووي الإيراني، وإن ظل إيجابياً تأكيد الجانبين على أن الحوار هو النهج الأمثل لحل الخلافات بينهما، وأن هناك اتفاقاً حول مسائل كالتسلح النووي ومكافحة الإرهاب. وصاحب هذا بعض التحليلات العربية التي تحدثت عن بدء التوصل إلى صفقة أو تفاهمات كبرى بين البلدين في ما يخص بعض قضايا المنطقة العربية وإيران ما بين الإيجابي والسلبي، ما جعلني أتذكر هواجس الرئيس الراحل أنور السادات من الوفاق الدولي بين العملاقين الأميركي والسوفياتي، وقيامه برسم أو تبرير سياسته ورؤيته لاستراتيجية التحرك بناء على ذلك. وأريد أن أبدأ من نقطة مهمة ستؤكد أهمية هذه القمة وما ستسفر عنه في المستقبل القريب والبعيد، وهي أن الضجة الحالية التي أحيت مسألة تورط روسيا ورئيسها في دعم حملة ترامب وإضعاف حملة خصمته هيلاري كلينتون- والتي لا أناقش مدى صحتها- أكدت أن هذه القضية أسفرت عن أمرين مهمين، وهما تأجيل انعقاد هذه القمة، والمشاركة الأميركية بنوع من المبالغة في حملات معاقبة روسيا على خلفية موضوع الجاسوس الروسي وفي شكل تضمن مزايدات واضحة للخروج من هذه الضجة ولمحاولة تهيئة الظروف للعودة مجدداً لتطبيق رؤى ترامب في شأن روسيا والتي كرّرها خلال حملته الانتخابية وعاد إليها في مناخ قمة هلسنكي. ومن هنا أيضاً، فإنه من المفهوم ردود الفعل الأميركية الغاضبة على تصرفات ترامب من داخل تيارات في حزبه وعند خصومه الديموقراطيين، وأنه بصرف النظر عن كيفية خروج ترامب من ورطته الداخلية الحالية، فسيحتاج بعض الوقت لاستئناف تطبيق رؤيته في شأن روسيا. الأمر الثاني هو ضرورة الانطلاق من الرؤية والاستراتيجية التي تتبناها الإدارة الأميركية الراهنة، والتي أعلنها ترامب صريحة خلال حملته الانتخابية، وبعد بدء رئاسته من أن جانباً مهماً من هذه الرؤية هو التصدي للصين وبالأساس منع تحولها إلى القوة الأولى دولياً. وعند ترامب أن كل ما يمكن استخدامه في هذا الصدد مبرراً. والبعد الثاني في هذه الاستراتيجية هو مسألة تعظيم المكاسب الاقتصادية الأميركية. وهنا نلاحظ أنه كانت هناك دوماً مدرستان في الولايات المتحدة وغيرها، أولهما الحمائية وثانيها حرية التجارة الدولية، وقد حرصت واشنطن في معظم القرن العشرين وحتى وصول ترامب للحكم على استخدام مبدأ حرية التجارة الدولية كأداة لتحقيق مصالحها في هذا الصدد، اعتماداً على قوتها الاقتصادية الهائلة- وعندما وجدت أن الاستفادة تزيد للصين، وبحد أقل شركائها وحلفائها التاريخيين في الاتحاد الأوروبي واليابان، تحولت إلى مبدأ الحمائية، على الأقل التيار الذي جاء بترامب ويواصل مساندته. وعند هذه الإدارة الأميركية الحاكمة الآن فإن هذه الحمائية لا تحقق فقط تعظيم المكاسب الاقتصادية الأميركية، وإنما أيضاً- وبما لا يقل أهمية يضعف من الخصم الأول، أي الصين، ويقلل من قوة المنافسين المحتملين الآخرين. البعد الثالث وهو مرتبط بالبعدين السابقين، وأشار إليها ترامب أكثر من مرة عبر حياته السياسية، وهو استمرار هيمنة وصدارة الولايات المتحدة اقتصادياً وسياسياً، ومواصلة لعب دور رئيسي في صياغة أوضاع العالم بما في ذلك ملفات كإيران أو كوريا الشمالية، أو الشرق الأوسط عموماً، وأن تستمر الخيوط في أيدي واشنطن، مضافاً إليها في حالة الصراع العربي- الإسرائيلي خدمة الحليف والصديق الأول إسرائيل، ولدى روسيا رصيد أكبر متسع في مختلف القضايا بأكثر من حلفاء واشنطن في أوروبا واليابان. لهذه الأسباب هناك حيثيات كثيرة مهمة لتفاهمات مع روسيا، أولها مصالح مشتركة بين البلدين في تهدئة التسابق النووي، كون أن أحداً منهما لن يجني شيئاً من مزيد من الاستنزاف الاقتصادي لنفسه في هذا الصدد، كما لم يعد يعني واشنطن إنهاك الاقتصاد الروسي وتحمل كلفة ذلك بالنسبة إلى الاقتصاد الأميركي، كون روسيا ليست منافساً اقتصادياً حقيقياً مقارنة بالصين أو الاتحاد الأوروبي واليابان، فلا بأس من تهدئة روسيا في هذا الملف، في مقابل طرح ترامب سحب قوات بلاده من أوروبا وتحميلها نفقات الدفاع عن نفسها أو لجزء منها لإنهاك اقتصادها ووقف صعودها، خصوصاً أن أحوال أوروبا مضطربة وليست بالشكل الذي تتطلع إليه باريس وبرلين. مما سبق يتضح أن ترامب ينفذ كل ما يعد به؛ بخيره وشره، وأن نموذج مسألة نقل السفارة الأميركية إلى القدس لا ينفصل عن مجمل رؤاه وتصوراته وفريقه الغامض، الذي خرج بعضه من دوائر الحكم، ولكنه في النهاية يعبر عن رؤية اليمين الأميركي المتشدد، بجذوره العميقة في الثقافة السياسية الأميركية، بعنصرية وتعال وشراسة، والتي يضفي عليها ترامب بشعبويته وتركيبته الشخصية غير الاعتيادية ذلك المذاق الغريب والفريد، ولكنه في النهاية تعبير عن تيار عميق الجذور في هذه الثقافة. تيار ترامب هذا يقابله تياران: ليبرالي؛ بعضُه مِن خارج الحياة الحزبية الأميركية ومن بعض فصائل الحزب الديموقراطي، والآخر محافظ يتوزع على الحزبين الرئيسيين أقل يمينية أو يمارس حسابات سياسية تقليدية ويتخوف من شطحات ترامب وآثارها العميقة على السياسة الأميركية. هذا عن الدوافع، فماذا عن النتائج المحتملة، وهل ستكون هناك تفاهمات جادة بين الجانبين، وستتغاضي واشنطن عن بعض مواقفها تجاه بعض القضايا أو الملفات، ربما يكون من بينها شبه جزيرة القرم وسورية، وفي مقابل هذا ستسعى إلى مكاسب من دعم روسي أكبر في ملف كوريا الشمالية؟ لهذا حسابات معقدة لا تشكل تنازلات كبيرة لروسيا أو الصين وربما حتى لكوريا الشمالية ولكن سيتم إخراجها بهذا الشكل. أما المسألة المعقدة والخاصة بإيران، فمن مفارقاتها أن مكاسب روسيا إقليمياً ودولياً ستكون أضعافاً؛ بتجاوبها مع المساهمة في تقليص إيران. وأظن أن إيران نفسها قد تستفيد من بعض المكاسب إذا تمّ إخراج صفقة ذكية في هذا الصدد. على أن الأمر معقّد والملف السوري بالغ الصعوبة والتداخل، وسيحتاج الأمر إلى وقت وعمل مركب لإخراج ترتيبات سورية تكون ضمن التفاهمات الأميركية- الروسية. أما المراقبون الذين لفتَ انتباههم أن القمة لم تشر في ما هو علني إلى القضية الفلسطينية، ربما كانوا يتوقعون ذلك بعد زيارة الرئيس عباس إلى موسكو قبيل انعقاد القمة. وعلى رغم أنه ليس مؤكداً أن المسألة لم تثر، فإن بوتين من الذكاء لأن يعرف أن واشنطن تتوهّم أنها صاحبة القرار الوحيد في هذا الشأن. وعموماً، فالأرجح أن الأمر ما زال بعيداً عن ترتيبات نهائية في هذا الصدد. الخلاصة أن الجانبين؛ أي ترامب ومَن يؤيده، وبوتين، يدركان أهمية بعضهما البعض. واشنطن لا تخشى روسيا كثيراً اقتصادياً، ولكنها تقدر مكاسبها السياسية مِن تفاهمات مع اللاعب الدولي الآخر الوحيد القادر على التأثير السياسي، ما ينشط الدور الأميركي المتراجع سياسياً، نسبياً، ولكن لا يمكن تجاهله. كما ستوفر تهدئة التسابق النووي نفقات على الاقتصاد الأميركي، ما يزيد من قدرة واشنطن الاقتصادية التنافسية في المعركة التي يراها ترامب الأكثر أهمية. على أن هذه التفاهمات ستستغرق وقتاً من طرفين بالغي الصعوبة: ترامب بعقلية رجل الأعمال الناجح المتبجح، وبوتين الماهر الأكثر دهاءً. ولكي يكون ما سبق ممكناً كله أو بعضه، فإن السؤال: هل يتمكن ترامب وما يمثله من تيار من فرض إرادته، أم أن التناقضات الداخلية الأميركية ستؤدي إلى مزيد من الارتباك في السياسة الأميركية؟ هل سيحني رأسه للعاصفة ويعاود تحركه بعد ذلك؟ وهل سيؤدي تحركه هذا إلى تحقيق أهدافه؟ عموماً، النظام الدولي أعقدُ كثيراً مما يظنون أنهم قادرون على صنعه.

لبنان غير بعد المونديال!

بكل عرس لبنان إلو قرص، وحتى في مونديال روسيا 2018، وعلى رغم أنه لم يشارك بمنتخب وطني، إلّا أنه كان الفائز الأكبر في هذه المسابقة. صحيح أنّ فرنسا فازت بكأس العالم وكرواتيا فازت بقلوب العالم، لكنّ لبنان فاز بأفضل مسؤولين في العالم.فقد روى شاهد عيان أنه في ليلة المباراة النهائية في كأس العالم، رأى المسؤولين اللبنانيين يتابعون المباراة مجتمعين، وأكّد أنه لحظة التتويج إغرورقت أعينهم بالدموع وأجهشوا بالبكاء على المشهد الحضاري الذي قدّمته رئيسة جمهورية كرواتيا كوليندا كيتاروفيتش في تعاطيها مع خسارة لاعبي بلادها، وتأثّروا أكثر بالإنجاز الذي حقّقه منتخب كرواتيا، تلك الدولة التي تشبه لبنان بشكل اقتصادها وعدد سكّانها وطبيعتها وتاريخها. وكشف شاهد العيان أنّ المسؤولين اللبنانيين أمسكوا بأيدي بعضهم البعض ووقفوا بشكل حلقة، وأقسموا بشرف الكشّاف أن يتخلّوا عن ممتلكاتهم ومحسوبيّاتهم وصفقاتهم، ويبذلوا كلّ ما في وسعهم ليكون منتخب لبنان مكان الكرواتي في مونديال 2022، وليكونوا هم أنفسهم وأخبارهم الشغل الشاغل للسوشل ميديا مثلما كانت رئيسة كرواتيا.

Advertise
loading
popup closePierre