ملف قارورة الاوزاعي أُغلق: خفّة وانعدام مسؤولية!

  • محليات
ملف قارورة الاوزاعي أُغلق: خفّة وانعدام مسؤولية!

خبر ملفت مرّ سريعاً على المواقع الإخبارية حول عثور مواطنين في الأوزاعي على جسم غريب مشعّ على الشاطئ. أما الرواية الرسمية فجاءت في إطار تبسيطي تجهيلي، من دون أن تفتح الجهات المعنيّة أيّ تحقيق جديّ في الأمر

على الطريقة اللبنانية، استخفّت الجهات الرسمية بخبر العثور على «القارورة المشعّة» على شاطئ الأوزاعي الأسبوع الماضي، وغفلت عن ضرورة إجراء تحقيق، علميّ وأمنيّ، لاكتشاف كيفية وصولها إلى الأراضي اللبنانيّة من دون ترخيص من «الهيئة اللبنانيّة للطاقة الذريّة» المعنيّة بتنظيم هذه الأمور.

الهيئة قامت بواجبها المهني، لكن الخفّة الرسميّة جاءت في الخبر الذي عُمّم وفيه أنّ «شائعات سرت عن وجود مواد مشعّة على شاطئ الأوزاعي، وتبيّن في ما بعد أن الأمر يعود لمجرّد قارورة غاز صغيرة الحجم كتب عليها بالأحرف اللاتينية مواد مشعّة»! ماذا تحتاج أجهزة الدولة أكثر من عبارةٍ صريحة دامغة بأن القارورة تحوي مواد مشعّة كي تفتح تحقيقاً لمعرفة المصدر والطريقة التي دخلت بها إلى لبنان، وتحديد الآثار الصحيّة والبيئيّة لوجود هذه المواد؟ وماذا لو تبيّن أن هذه القارورة جزء من صفقة أكبر أدّت إلى دخول نفايات مشعّة إلى أراضينا على سبيل المثال؟ علماً أنها ليست «قارورة غاز صغيرة الحجم» على الإطلاق، بل هي أداة استكشاف جيولوجية تحوي في داخلها مواد مشعّة مخصصّة للاستعمالات المدنيّة.

ما هو الجسم المشعّ؟

الجسم الغريب الذي عثر عليه أهالي منطقة الأوزاعي هو عبارة عن أداة تستخدم في استكشاف النفط والمياه الجوفية وفي دراسة التربة والطبقات الجيولوجيّة عميقاً في باطن الأرض. وهي تشبه، شكلاً، قارورة غاز صغيرة. لكنّها تحوي مواد مشعّة نوويّة تستعمل لإطلاق نيوترونات سريعة تصطدم بالطبقات الجوفية، فترتد أو تحفّز إطلاق نيوترونات معاكسة بسرعات أقلّ وطاقات أصغر، تلتقطها العبوة من جديد وتقيس سرعتها وطاقتها الارتدادية. وعبر هذه القياسات يمكن تحديد ماهيّة المواد المكوّنة للطبقة الأرضية على عمق معيّن. وبما أنّ ذرّات الهيدروجين تتفاعل بطريقة متميّزة مع النيوترونات، فتؤدي إلى خسارتها لجزء كبير من طاقتها، يمكن استخدام هذه الخاصية لتحديد مدى وجود الهيدروجين في المنطقة الجيولوجيّة المستهدفة. ومن المعروف أنّ الهيدروجين مكوّن أساسي للمياه كما للنفط والغاز، وعليه يمكن تحديد وجودهما على عمق معيّن من خلال المعطيات التي تقيسها هذه العبوة.

عملياً، تتألف هذه القارورة الصغيرة من مصدر نووي لإنتاج النيوترونات وإطلاقها، وجزء آخر هو عبارة عن مجسّات لقياس النيوترونات الواردة وتحديد طاقتها وسرعتها. هذه المعلومات يجري استخراجها على شرائح الكترونيّة لتجري دراستها وتحديد المكوّنات الجيولوجية على أعماق مختلفة تحت سطح الأرض. وفي التطبيقات العمليّة، يجري حفر آبار تجريبيّة عميقة وصغيرة، ويتم إسقاط هذه الأدوات عبر ماكينات مختصّة تشبه آلات استخراج المياه الجوفية، وتصل إلى أعماق كيلومترات وتقوم بتسجيل المعطيات في العمق الذي تصل إليه.

تتشكّل المواد النووية في القارورة من نظائر مادتي «أميريكيوم» (Americium) و«بيريليوم» (Beryllium)، ويطلق عليها اختصاراً اسم AmBe. المادة الناشطة نووياً هي «أميريكيوم» التي تمتلك خصائص مشابهة لليورانيوم والبلوتونيوم، وتطلق تلقائياً أشعة غاما ونواة الهيليوم الذي يتفاعل مع البيريليوم الموجود في العبوة، فيولد نيوترونات ذات طاقة مرتفعة وتنطلق بسرعات كبيرة إلى الخارج. وتكمن الخطورة الصحيّة، فعلياً، في أشعة «غاما» المنتجة خلال هذا التفاعل، كما في النيوترونات التي تطلقها العبوة. وتعتبر روسيا والولايات المتّحدة من الدول الرائدة في إنتاج هذه المواد المستعملة على نطاق واسع في مجال استكشاف النفط والمياه الجوفية من قبل الشركات الكبيرة، رغم الميل السائد مؤخراً إلى استبدال المواد النووية بتقنيات أخرى غير مشعّة.

مصادر محتملة

يقود التحليل إلى مصدرين محتملين لهذه العبوات التي تحوي موادّ نووية مشعة. الأول هو أن تكون أمواج البحر حملت معها هذه القارورة من آبار النفط والغاز القريبة من لبنان (من أعمال الحفر والتنقيب أمام شواطئ قبرص أو مصر أو اسرائيل) إثر عطل ما في أحدها وانفكاك القارورة عن حاويتها. أمّا الاحتمال الثاني، الذي يشكّل السيناريو الأكثر رعباً، فهو احتمال أن يكون هناك من يقوم بالتخلص من القوارير المستنفدة التي تصنّف نفايات نووية، بشكل منظّم وواسع ضمن الأراضي اللبنانية. العمر الافتراضي لهذه المعدات يبلغ حوالي خمسة عشر عاماً، وبالتالي يتمّ التخلّص منها مع نهاية عمرها الافتراضي بطرقٍ علمية ذات كلفة عالية. لكن العديد من الشركات والمافيات تلجأ إلى التوفير عبر تهريب هذه النفايات النووية وطمرها بشكل عشوائي في بلدان ذات أنظمة رقابة سيئة، وقد ظهرت العديد من هذه الحالات في الدول الأفريقية مؤخراً، كما سرت أخبار كثيرة في ثمانينات القرن الماضي حول تهريب أطنان من مواد أخرى مشابهة إلى لبنان إبّان الحرب الأهليّة.

مسؤولية سياسية وأمنية

وصول قارورة واحدة والتخلّص منها عبر تخزينها علميّاً في مختبرات الهيئة اللبنانية للطاقة الذريّة لا يشكّل خطراً على الصحة العامة. أمّا الاحتمال الثاني، فيشكّل أرضيةً لكارثة صحية وبيئية تستحق الوقوف الجدي عندها. فالتعرض لكميات قليلة من الإشعاعات التي تصدرها هذه المعدات، مثل أشعة «غاما» والنيوترونات السريعة تؤدي إلى الإصابة بأنواع عدة من السرطان وأمراض الدم والتشوّهات الجينية وغيرها. لذلك، تظهر الخفّة وانعدام المسؤولية في إغلاق هذا الملف سريعاً من دون التوسّع في التحقيقات فيه لاستكشاف الاحتمال الثاني تحديداً، والتأكّد من أنّها حادثة إفرادية قبل الخروج باستنتاجات قاطعة كما فعلت الجهات الأمنيّة المعنيّة.

عمر ديب

المصدر: الأخبار