وفاة سجين مريض ومقعد في سجن زحلة: قتيل القضاء والأمن!

وفاة سجين مريض ومقعد في سجن زحلة: قتيل القضاء والأمن!

مرّ خبر موت سجين في سجن زحلة مروراً عابراً. بضعة أسطر بدت كافية... وانتهى. في الواقع، انتهت حياة إنسان رمته الدولة خلف القضبان، رغم كونه مقعداً وعلى كرسي نقّال، يعاني سلس البول وتقرحات مختلفة، ومدمناً على المخدرات ويمرّ بحالة نفسية خطيرة. لهذا الشاب كرامة فقدها، وعائلة، وأم تبكيه اليوم وتطلب العدالة

 

لم يمت السجين محمد الغندور «ميتة ربّه». لا مكان لهذه العبارة في قاموس الطب. ثمّة ما قتل الشاب، مباشرة أو على مراحل، لا فرق. يزداد هذا الاقتناع عندما نعرف أنه، بقرار من الدولة، كان «مرمياً» في السجن رغم كونه مقعداً. لم يكن يستطيع الحركة إلا عبر كرسي نقّال. القروح غزت جسده. سجن زحلة آخر الأماكن، على وجه الأرض ربما، التي يمكن أن تكون ملائمة لحالة كهذه. العين الآن على الدولة.

على القضاء والأمن فيها. الدولة هي «المشتبه فيه» الأول. الدولة «صاحبة السوابق» في أذية السجناء، ومرّات غير قليلة، في قتلهم.


توفي الشاب (38 عاماً) في مستشفى رياق العام في البقاع. حصلت الوفاة بعد نقله مباشرة من سجن زحلة، وهو في حالة صحية أكثر من مزرية. لم يمض على نقله أكثر من يوم حتى فارق الحياة. هكذا جاء الخبر قبل 5 أيام. بعدها بدأت «الأخبار» رحلة البحث عن أسباب وفاة محمد الذي لم يولد من شجرة، حتماً، بل من أم تبكيه اليوم، وإلى جانبها شقيقة تتألم وتريد العدالة لأخيها... بل «لمن هم في مثل حالة أخي اليوم».


بالتأكيد محمد لا يحب السجن. من يحبه أصلاً؟ قبل نحو 14 عاماً كان كل شيء طبيعياً في حياته. ارتبط بفتاة وخطبها. أقام له الأهل حفلة وزفّة. لا تزال العائلة تحتفظ بتلك الصور. تعرّض لحادث جعله يفقد الإحساس برجليه. أصبح مقعداً. حصل هذا بعد فترة من خدمته العسكرية في الجيش. هكذا، من عسكري نشيط إلى جليس كرسي نقال... لمدى الحياة. تركته خطيبته. كل شي تبدّل من حوله. انهار معنوياً. غرق، على أيدي بعض الأصحاب، في عالم المخدرات. وجدها مهرباً من واقع مرير. علق بها إلى حد الإدمان. دخل السجن بسببها مراراً. هذه الرواية يجمع عليها أهله، وكذلك رفاق له في السجن، وبعض الذين قابلوه وروى لهم.


هنا يدخل محمد في مرحلة جديدة. يقرر سلب الناس أموالهم بالقوة، بهدف شراء المخدرات، في ظل عدم وجود مصدر آخر للمال. أكثر ما يلفت في ملفه هو تهمة «السلب». مقعد، يعاني الشلل، ومع ذلك يسلب؟ لهذا كان «يحترمه» سائر السجناء. «كان عزيز النفس ولا يقبل أن يطلب من أحد». هكذا يتحدث عنه أحد الذين عاشوا معه في الزنزانة. كان قوياً وبعض الأصحاء كانوا يخافون مواجهته. كأن القوة التي سُلبت من رجليه قد صُبّت في يديه. دخل السجن أخيراً بتهمة السلب. من رومية إلى زحلة، رحلة سجون عمرها سنوات. أحد القضاة قال له ذات مرّة: «لماذا لا تقلع عن تعاطي المخدرات وتذهب إلى مركز للمعالجة من الإدمان». لم يجبه محمد. فضّل السكوت. ربما لأنه يعلم، في قرارة نفسه، بحكم خبرته في السجون، أن القاضي المذكور يعيش في عالم غير واقعي. فات القاضي أن في لبنان لا يوجد مركز، مجاني، للمعالجة من الإدمان. راحت حالته الصحية تسوء في السجن، مرة بعد مرة، إلى أن يئس أخيراً من أي علاج. هذا ما بدا عليه في الآونة الأخيرة. عانى من السلس البولي (عدم القدرة على ضبط البول). تقرحات عميقة في الخلف. تخيلوا سجيناً كهذا، وعلى كرسي نقال! كان الشاب يحتاج إلى رعاية خاصة. لا مكان للحديث عن رعاية خاصة في سجون لبنان. الحديث عن الفكرة مع مسؤول أمني، أو قضائي، أو حتى سياسي، يُعدّ ضرباً من ضروب «الهبل».

 

قتل الإرادة

في الآونة الأخيرة أوقف 3 مرات متتالية، بفوارق زمنية بسيطة، جعلته يصاب بكآبة حادة. كان يخرج بموجب إخلاء سبيل، لكنه سريعاً ما يعاد توقيفه في قضية أخرى، وهذا بحد ذاته يثير الاستغراب. فما دام في حقه قضايا أخرى، كيف كان يخلى سبيله؟ إذ إن النشرة القضائية، الواجبة الإجراء، تكشف ما إذا كان مطلوباً في قضية أخرى. على القوى الأمنية أن تجد جواباً عن هذه «الحزورة». محمد كان يظن، في كل مرة، أنه انتهى من السجن تماماً، ولكن كان يعاد سجنه. لهذا رفض أخيراً قبول أي علاج، بل، وبحسب بيان رسمي لقوى الأمن الداخلي، رفض في أيامه الأخيرة نقله إلى المستشفى، ما جعلهم ينقلونه بالقوة. جاءت الخطوة متأخرة، فما إن نُقل حتى توفي. انتهى كل شيء. في اليوم الذي توفي فيه، ختم القاضي في النيابة العامة في البقاع على طلب موكلته، المحامية سامية واكد، بالسماح للطبيب بمعاينته وعلاجه. حملت شقيقته الطلب وذهبت إلى قلم السجن وقدمت الطلب الممهور من القضاء. رفض رئيس قلم السجن قبوله. في اليوم التالي اتصلت المحامية واكد بالسجن، وسألت عن موكلها وعن الطلب، فلم يخبروها أن موكلها توفي رغم علمهم بالأمر. ربما خجلوا منها. تقول المحامية لـ«الأخبار» إن وفاة موكلها «سببها التقصير... القضاء والأمن يتحملان المسؤولية. خلال فترة تنقله بين السجون بترت قدمه، هذا فضلاً عن الشلل النصفي، ومع ذلك كان القضاء يصرّ على توقيفه. قال موكلي للقاضي ذات مرة: «أنا عم موت بدي علاج». لكن رغم ذلك أوقفوه». أما شقيقته، أميرة، فتبكي أثناء قولها: «تحطمت نفسية محمد. مات نفسياً قبل أن يتوقف قلبه. اليوم كنت أشاهد صور خطبته، هكذا تحول كل شيء! أخي كان يقود سيارة، بل جرافة، وهو مقعد. كان يبتكر أدوات خشبية يستعملها بيديه ليقود الآليات. كان جبّاراً ومن زينة الشباب. كان بحاجة فقط إلى العناية». هذه الصفات يؤكدها السجناء في زحلة أيضاً. كثيرون منهم تحدثوا لـ«الأخبار» عن صفاته، واستغرابهم كيف كان يقود السيارات، بإصرار وعناد. كانت لديه إرادة حياة. لكن يبدو أن حياة السجن، السجن اللبناني، كفيلة بتدمير أي إرادة من هذا النوع.

 

تقاذف المسؤولية

في المرة الأخيرة التي أوقف فيها، لم يكن قاضي التحقيق على علم بالحالة الصحية لمحمد الغندور، إذ «لم يكن مدوّناً هذا الأمر في محاضر التحقيق الأولي، وإلا لكان لُحظ الأمر، وهذا التقصير من جانب قوى الأمن صراحة». هذا ما نقلته مصادر قضائية لـ«الأخبار». في الواقع، قانون أصول المحاكمات الجزائية يوجب على القوى الأمنية إحضار طبيب للموقوف، في مرحلة التحقيق، ولكن من يلتزم بهذا القانون بدقة؟ سجلات المخافر اللبنانية، وما يحكى عن تعذيب بالجملة فيها، كفيل بالإجابة. القوى الأمنية من جهتها ترفض كل المزاعم التي تحمّلها جزءاً من المسؤولية. مسؤول فيها قال لـ«الأخبار» إن إدارة السجن فعلت كل ما في وسعها، أما أصل توقيف الشاب فهو عائد إلى القضاء. إنها مسألة تقاذف مسؤوليات إذاً. من يفصل الآن بين القضاء والأمن؟ محمد مات. ما عاد بالإمكان التعويض على عائلته. طبعاً، لا أحد يعفي الدولة من التعويض المادي للأهل، بسبب التقصير أقله. محمد الغندور فارق الحياة، ولكن السؤال، كم «محمد» مثله مرمي اليوم في السجون، لا يفعل شيئاً سو انتظار الموت؟

 

 

محمد نزال

المصدر: الأخبار