8 آذار: موعدٌ مع "القتيلات"

  • خاص
8 آذار: موعدٌ مع

الثامن من آذار...الشارع على موعد مع تظاهرة دعت اليها جمعية "كفى"، من اجل مطالبة رئيس المجلس النيابي بالدعوة إلى جلسة تشريعية للتصويت على قانون حماية النساء من العنف الأسري والتعديلات اللازمة. تحت عنوان "إذا بدّها شارع للتشريع... نازلين"، سيسير المؤيدون/ات، عند الساعة الثانية من بعد الظهر، من المتحف حتى قصر العدل. في التاريخ الذي يصادف فيه يوم المرأة العالميّ، محاولةٌ جديدة "للثورة ضدّ الظلم". ربما ستبدو المدينة، في ذلك اليوم، وكأنها على موعد مع "القتيلات". يمشين في الشارع، تراباً. وكأنهن، لن يحملن رؤوسهن المهشمة، ولن يلبسن جلودهن المحروقة. ترابٌ فقط. من دون اسماء، ولا اعمار. فمن يقدر الأ يشتمّ رائحة القبور السائرة في المدينة؟ سوف يمشين الى ان "يصبح الشارع امرأة". وكأن المدينة على موعد مع هذا المشهد المخيف. فمن قال ان منال او رولا او كريستال  او مالكة، وآديل، وبغداد، وبثينة، ومنى، وصونيا، ونيليان، وآمنة، ولطيفة، لسن كلّ واحدة من المتظاهرات في الشارع. او لسن كلّ انثى تولد في لبنان، حيث تغيب "المنظومة الدفاعية" الواجب اقرارها من الدولة...وحيث تولد المرأة ضلعاً هشّاً، ويولد الرجل عضلات منتصبة؟!

 

التشريع...لانقاذهنّ

"الكيل فعلاً قد طفح، ولم يعد يجدِ انتظار موت امرأة أخرى من بيننا لنثبت لكم أنّنا في خطر حقيقي"، ورد في الدعوة الى التظاهرة التي وزعتها جمعية "كفى". هذا "الخطر" تؤكده الارقام ايضاً. والأسماء. والحيوات التي فقدت، بلحظة، حين قرر، هو. تقول المنسقة الاعلامية في "كفى" مايا عمّار "انه، وبحسب الاحصاءات، ثمة امرأة واحدة على الاقلّ تقتل شهرياً على يد زوجها". تضيف في اتصال مع موقع Kataeb.org :" الفترة الماضية كانت كارثية. ثلاث نساء قتلن في شهر واحد، وسبقتهن أخريات في فترة ليست ببعيدة". لكن هذا لا يعني بالضرورة ان حالات العنف الاسري والقتل على يد الزوج او القريب، قد ارتفعت او انخفضت في لبنان. هذه الجرائم عابرة اصلاً للجغرافيا والتاريخ والمجتمعات. تقول عمّار:" بالطبع كانت تحصل من قبل، بيد ان الاضاءة عليها في الاعلام، اضافة الى عمل المنظمات والجمعيات التي تعني بهذا الشأن والتوعية التي تقوم بها، عوامل ادت الى كشفها الى العلن اكثر فأكثر".

 

بواقعية، تقرّ عمار ان "الذكورية، للأسف، ستبقى. كذلك حالات العنف". حتماً، هذه المشاكل تضرب المجتمعات كافة. في السويد مثلاً، وهي الدولة التي يحتذى بها في مجال الكفاح من اجل حقوق الانسان بعامة، ثمة 28400  حالة من العنف الاسري في العام 2012، تبلغت بها الشرطة. اقرّت الدولة الاسكندينافية بارتفاع النسبة مقارنة بالعام السابق، لكنها عزتها لكون القانون لا يسمح بسحب اي دعوى او بلاغ، تكون قد تقدمت بهما المرأة. اذاً، تحاول هذه الدولة، وغيرها، ان تؤمن اكثر "المنظومات الدفاعية" صرامة. فهي تسعى الى تعزيز القوانين بوسائل شتّى. اما في لبنان، فالحدّ الأدنى من سياج الحماية هذا، ليس موجوداً بعد، في ظلّ غياب القانون.

 

المطلوب اذاً، وفي اقرب وقت، التصويت في البرلمان على قانون حماية النساء من العنف الاسري. واذ  تصرّ  جمعية "كفى" على ان يدرج القانون كبندّ اول على جدول الاعمال في الجلسة، فإنها تطالب ايضاً بالتصويت على تعديلاته ومنها اعتبار الاغتصاب الزوجي جرماً.

 

وفي هذا الاطار، وبعد ان تداولت معلومات تحت عنوان  "نواب لبنانيون صوّتوا ضد إقرار قانون العنف الأسري" على مواقع التواصل الاجتماعي، اصدرت منظمة "كفى" توضيحاً، او تصويباً لما ذكر، حيث اكدّت انه " لم يتم التصويت بعد على مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري في الهيئة العامة بل أقرّ في اللجان النيابية المشتركة بإجماع النواب الحاضرين من مختلف الكتل النيابية بتاريخ 22 تموز 2013، وان العريضة المطلبية تشمل أسماء النواب الذين تبنوا الملاحظات التي تقدّمت بها على القانون بالصيغة التي أقرّته بها اللجنة النيابية المشتركة، وليس على مشروع القانون ككلّ"، مضيفة ان "أسماء النواب والنائبات الذين واللواتي وردت أسماؤهم على العريضة هم/هنّ من حصلت المنظمة على توقيعهم/ن الفعلي، وهذا لا يعني عدم وجود الدعم والتأييد من قبل غيرهم/نّ".

 

 سلّة متكاملة

حتماً، ثمة "متممات" يجب ان تترافق مع القانون. للقضاء دور. لتعديل قانون الاحوال الشخصية في لبنان، اكثر من دور. لانشاء دور تكون ملجأ للنساء المعنفات، تديرها الدولة، وتسهر على تأمين حمايتهن، فعالية كبيرة. "المنظمات والجمعيات ليست الدولة"، تقول عمّار، في اشارة الى ضرورة مشاركة المؤسسات الرسمية في الحدّ من هذه الجرائم. ولكن يبدو ان هذه الدولة النائمة بحاجة الى من يحرّكها. وفي هذا السياق، تكشف عمّار ان "تحسّنا ملحوظا ظهر بعد اطلاق المشروع المشترك بين "كفى" وقوى الأمن الداخلي حول تعزيز دور قوى الأمن الداخلي في مواجهة العنف الأسري، والذي دعمه صندوق الأمم المتحدة للسكّان ومكتب التعاون الإيطالي- السفارة الإيطالية في لبنان، إضافة إلى السفارة النروجية في لبنان ومنظمة كفينا تل كفينا(kvinna till kvinna) السويدية". تضيف:" لغاية اليوم، هناك اكثر من عشر نساء وصلن الى الجمعية او تقدمن بشكاوى عبر "الدرك" والاتصال بالرقم 112".

 

رولا، منال، كريستال، ماغي

وفي ظلّ السعي الدؤوب لاقرار قانون حماية النساء من العنف الاسري ووضع حدّ لمسلسل الجرائم المخيف، تأمل منظمة "كفى" ان تتحقق العدالة في كلّ القضايا السابقة. ففي قضية رولا يعقوب، وبعد ان قرر قاضي التحقيق الاء الخطيب اخلاء سبيل الزوج المشتبه به كرم عفيف البازي "لعدم كفاية الدليل"، قدم محامي الضحية طلب استئناف لدى قاضي التحقيق بسبب العيوب التي حملها القرار الظني  والإجراءات الطبية التي لم تكن على المستوى العلمي المرتجى، وإهمال إجراءات أخرى كان يجب اتخاذها في حينه.

 

وفي قضية الضحية منال عاصي، ادعى المحامي العام الإستئنافي في بيروت القاضي رجا حاموش على الزوج محمد نحيلي بالمادة 548. ووفق ما اوضح مرجع قانوني موقعنا، "فإن جرم القتل عن سابق تصوّر وتصميم واضحٌ لا لبس فيه، ومن هنا استحالة ان يتهاون القضاء او يلفلف القضية". فبالاضافة الى وجود شهود (اهل منال)، ثمة اعتراف واضح ادلى به الزوج بعد ان سلّم نفسه، اذ اعتقد انه بامكانه الحصول على اسباب تخفيفية اذا ما البس "جريمته" ثوب الشرف! لكن، لا جريمة شرف بعد اليوم. فمشروع إلغاء المادة 562 من قانون العقوبات المتعلقة بـ"جرائم الشرف" الذي تقدم به النائب سامي الجميّل، اقرّ منذ العام 2011!

 

اما في قضية الضحية كريستال ابو شقرا، والتي توفيت نتيجة تجرعها كمية كبيرة من الديمول، فتأمل المنسقة الاعلامية في "كفى" ان تتابع التحقيقات لاثبات التهمة على زوجها. زوجٌ تأكد انه كان يعنفها في الماضي.

 

ومن لبنان الى استراليا. زوج ماغي طنوس قتلها. ستأخذ العدالة مجراها في تلك البلاد التي تحترم القوانين. ولكن، قد يبقى صمت ماغي عن العنف التي كانت تتعرض له رغم توافر الحلول والآليات لوقفه، سرّاً يدفن معها.

 

عارية...تلبس الاحمر

سرّ صمت النساء، هو الآخر، عابرٌ للمجتمعات والدول. عملياً، ثمة تفسيرات كثيرة وراء تكتم المرأة عن العنف الممارس عليها. فحتى في الدول ذات القوانين الصارمة والمجتمعات "الواعية"، ثمة معنفات يأسرهن الخوف والحزن والصمت. هذا لا يعني ان التوعية بضرورة التكلم وتقديم الشكاوى ليس اساسياً. بحسب عمّار، "ان طريقة تعاطي اهل الضحايا او المعنفات انفسهن مع القضية وعدم التستر عنها، من شأنها تشجيع الآخرين على القيام بالامر عينه، خصوصاً مع احراز نتائج "ايجابية".

 

واذا كان الصمت يكاد يكون قاسماً مشتركاً بين النساء المعنفات، فإن اوجاعهن هي حتماً متطابقة. قد لا يشعر صاحب السيادة او رجل الدين او اي معارض لمبدأ حماية النساء من العنف، بما تشعر به المرأة حين تضرب. او تقتل. لا على الارجح، انهم يعرفون. حتماً يدركون ان "طنجرة الضغط" ثقيلة. وان "المكواية" اشبه بنار جهنم. حتماً يلاحظون ان المرأة تبكي الى ان تسقط حنجرتها. وتلتهب. وان البقع الزرقاء تصبح منبهاً تحمله اينما راحت. وأنها تخاف على اولادها من حالها المشوّهة. وأنها ترتجف تحت الطاولة. في الدماء. تخاف ان تنفجر شرايينها، فتتسع البركة الحمراء. فغداً، حين يصالحها، ستكون منهمكة بازالة آثار الرجولة. ستكون عارية.

 

رأسها المطحون فيه فراغ ازليّ. كأنها مخلوقة من دون ذاكرة. كأنها ثملة، ما بمقدورها حبس الصور والكلمات في داخله. قمّة الوجع والحزن ستقودها الى الغياب. الى العريّ. الى الهروب. وبلحظة، تتذكر ان تتحسس رحمها. هل ما زال بخير؟

 

لا بدّ انهم يلاحظون. لكن، هل يشعرون؟ هل يتأنسنون؟

ربيكا سليمان

المصدر: Kataeb.org