الدستور

في حرب تناتش الحصص...صرخة قهر إلى مسؤولين غير مبالين: احترمونا وطبّقوا الدستور!

... وكأن اللبنانيين تطَبّعوا مع الفراغات الدستورية وأزمات الحكم المتناسلة، فاعتادوا أن يعيشوا حيتهم بشكل شبه طبيعي في ظل مجالس نيابية قفز أعضاؤها ببرادة أعصاب فوق الارادة الشعبية مرارا وتكرارا ليمددوا ولايتهم النيابية لأسباب واهية لا تقنع أحدا. كذلك، ومن فرط تطبيعهم مع الممارسات الخاطئة، لم يتوان اللبنانيون من أصحاب الأعمال والموظفين وسواهم من الطبقات العاملة عن بذل جهود كبيرة في سبيل دفع عجلة البلاد قدما في ظل فراغ رئاسي قياسي، علهم يعوّضون فشل النواب في انتخاب رئيس على مدى أكثر من عامين. انتظار طويل كسرت رتابته تسوية.. مباغتة أنهت الحال الشاذة على غفلة.. واليوم، يجهد الناس مجددا في التعايش مع فراغ حكومي بلغ بتماديه الخطوط الاقتصادية والسياسية الحمر، على وقع شهية مفتوحة على تناتش الحصص الحكومية تخاض الحرب في سبيلها علنا، بفعل حسابات سياسية انتخابية و"رئاسية" غرق البعض في وحولها باكرا.

عون يرفض إنعقاد حكومة تصريف الأعمال لهذه الاسباب!

يرفض رئيس الجمهورية ميشال عون عقدَ جلسة لحكومة تصريف الأعمال حتى لإقرار الموازنة. هذا الرفض ينطلق من جملة أسباب معظمها مرتبط بالتمسّك بصلاحيات الرئاسة الأولى وقدرتها على تأمين التوازن والشراكة وقوة العهد التي باتت هاجسَ رئيس الجمهورية وعنوانَ عهده المُعطَّل، وعلى رغم هذا التعطيل فإنه يفضّل، على ما يبدو، التضحية بأولويات لكي لا يُضطر الى أن يمارس دورَ الرئيس في مرحلة ما قبل العام 2005. تشير أوساط «التيار الوطني الحر» الى أنّ رفض عون عقد جلسة للحكومة يعود للأسباب الآتية: ـ أولاً، لا يقبل رئيس الجمهورية أن يتلقّى عبر الأثير اقتراحات سياسية فيما هو صاحب شأن دستوري وقرار لا يمكن أحدٌ أن يتجاوزه. فليس بمجرد اتفاق رئيسَي المجلس والحكومة على عقد جلسة للحكومة المستقيلة يمكن أن يترجم ذلك أمراً واقعاً، واذا كان الرئيس نبيه بري والرئيس سعد الحريري قد توافقا على هذه الجلسة فليس بالضرورة أن تُعقَد، فقد ولّت مرحلة استضعاف الرئيس باتفاقات ثنائية بين رئاستي المجلس والحكومة، كما كان يحصل في التسعينات، واليوم هناك رئيس جمهورية لا يمكن تجاوزُه لا دستورياً ولا وطنياً. ـ ثانياً، إنّ موافقة رئيس الجمهورية على عقد هذه الجلسة تعني اختزال توقيعه الدستوري على تشكيل حكومة جديدة، وهذا التوقيع لا يُمَس لأنه يعني قوة موقع الرئاسة وقدرته وتأثيره، كذلك يعني التسليم بعدم تشكيل حكومة الى مرحلة يمكن أن تمتدّ الى نهاية العهد، وهذا ما لا يقبله رئيس الجمهورية، لأنه عنوانٌ للفراغ، ولأنه يحوّل العهدَ عهد تصريف أعمال، فمَن يضمن إذا قبل عون بعقد هذه الجلسة (وهو يرفض) أن لا تتحوّل الحكومة المستقيلة حكومة دائمة بذريعة تصريف الاعمال ومعالجة القضايا الملحّة. ـ ثالثاً: إنّ القبول بعقد الجلسة يعني التسليم بإلغاء نتائج الانتخابات النيابية، والمجلس النيابي الجديد وقانون الانتخاب، ويعني أنّ الدولة بكل مؤسساتها اصبحت في وضعيّة تصريف الأعمال، فماذا لو انعقدت الجلسة واتُّخذ ايّ قرار وتقدّم نائب بطعن في القرار؟ بالتأكيد، تقول اوساط «التيار»، إنّ هذا سيشكل إخلالاً بالدستور وسابقة خطيرة لا يمكن تكريسها. الواضح أنّ اشتباكاً صامتاً يدور الى الآن بين الرئاستين الاولى والثانية حول اجتماع الحكومة، ففي حين نال بري وعداً من الحريري بالموافقة على عقد هذه الجلسة، يرفض عون الفكرة من الاساس، وقد حاول الوزير جبران باسيل ثني الحريري عن الموافقة على الجلسة بتنبيهه من إمكان أن تتحوّلَ منبراً نيابياً للطعن في تكليفه لتشكيل الحكومة، في ظلّ الدعوات المتكررة الى هذا الامر، وقد وصلت الى رئيس المجلس أصداء تنبيه باسيل فأدّى ذلك الى تعميق الخلاف بين بري وعون، وهو يضاف الى تراكم سابق ودائم، بلغ ذروته خلال التحضير للقمة العربية، بحيث بدا أنّ بري يضع عُصياً في دواليب العهد، بعد أكثر من سنتين على انطلاقه، ما يشير الى أنّ الكيمياء السلبية ما زالت موجودة كمادة قابلة للاشتعال في أيّ لحظة. وفي مقابل رفضه عقد أيّ جلسة الحكومة، بدأ عون بممارسة ضغوط ناعمة على الحريري لكي يتقدّم بطرحٍ لتشكيل الحكومة، وفي الوقت نفسه فُسِّر كلام عنيف اطلقه النائب جميل السيد ضد الحريري على أنه رسالة غير مباشرة من عون لحضّه على التنازل وتشكيل الحكومة، والسيد كما بات معروفاً قريب جداً من العهد وهو أحد مهندسي علاقته بدمشق، كما أنه هو مَن نصح رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بتقديم هدية التنازل عن المقعد الدرزي الثالث لعون وليس لبري أو الحريري، فهل سينتقل رئيس الجمهورية الى ممارسة ضغط اكبر على الحريري، في اعتبار أنه لا يملك أداة الضغط على «حزب الله» وحلفائه؟ الاكيد أنّ لهذا الضغط محاذير كبيرة، فالحريري يملك ورقة الاعتذار عن التأليف، وإذا اعتذر الحريري فإنّ العهد سيكون أوّلَ المصابين.

loading