الدستور

الاصلاح المتعذر

هل هي أزمة وزارية فقط أم أزمة حكم، أم أزمة نظام، أم أزمة وطن ودولة ، أم كل هذه الازمات مجتمعة ، حتى ليكاد انتاج السلطة في بلدنا يصبح معضلة لا حلّ لها، واذا كان من ولادة فبعد عملية قيصرية محفوفة بالمخاطر . فلا حكومة إلا ّ بعد معركة ولا انتخابات رئاسية إلا ّ بعد فراغ خانق، ولا استقرار حقيقيا ًأبدا ً، بل اننا دوما ً على كفّ عفريت ، بلدا ً وشعبا ًومؤسسات . ومع ذلك يظل ّ لبنان بلد حريات، وبخاصة حرية المعتقد التي نفخر بها ونعتز ونكفّر بواسطتها عن خطايانا كلها ، فكيف يكون ذلك؟ نتذكر بالمناسبة هذا الكلام للرئيس سليم الحص ـ أمد الله من عمره ـ عندما يقول: "في لبنان الكثير من الحريات والقليل من الديموقراطية ، وهذا صحيح . ففي لبنان دوما ً حريات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وأحيانا ًاكثر من اللزوم. لكننا على مستوى انتاج او انبثاق السلطة لا نزال نفتش عن الحل او المخرج من الازمة المستديمة . أفما قيل في الدستور ان الشعب هو مصدر السلطة لا السماء؟ لكن الشعب كان ولا يزال طوائف ومذاهب ، بل قبائل وعشائر مشدودة الى الدين، هذا فيما التأسيس للديموقراطية يبدأ بالفصل الكامل بين ما هو ديني من جهة وما هو سياسي واجتماعي وثقافي من جهة ثانية. فاذا صح ّ ان الدولة في لبنان قد حسمت امرها لدى تأسيسها فاعلنت نفسها مسبقا دولة منفصلة عن الدين ومستقلة عنه، غير ان تحقيق هذا الخيار يحتاج الى وقت يصير فيه الانتقال بالمجتمع المتعدّد الانتماءات الدينية والمذهبية الى المجتمع الواحد الانساني المستقل عن الدين، وعلى اساس ان الدين هو من شأن الفرد المتمتع بالحرية الكاملة على هذا الصعيد لا من شأن الجماعة . فالمشكو منه هو الخلط بين الدين والسياسة اي في "تسييس" الدين و"تديين" السياسة الذي يؤدي حكما ً الى الاستبداد والازمات المتتالية لا الى الديموقراطية. فاحتراما ً للدين او لما هو مقدس يجب ألاّ يقحم الدين ومقدساته في السياسة وفي الصراع من اجل السلطة خصوصا ً، كما ليس من حق المشتهي للسلطة تسخير الدين او المقدس لشهواته كما هو حاصل في بلدنا المنكوب في ديموقراطيته الناشئة. أليس كذلك ؟ كل ما في البلد اصبح طائفيا ً او مذهبيا ًوباتت كل طائفة تقريبا تتمتع ًبكيانها المستقل ومؤسساتها السياسية وغير السياسية ، من معاهد وجامعات ووسائل اعلامية ومستشفيات ، بل ماذا لم يكنمل تطييفه، بعد، او لايزال يتشبث بانتمائه الى الوطن حتى لو اصبح الوطن الواحد اوطانا ً عدة ؟ هذا على الرغم مما هو مكتوب في الدستور والمواثيق المعقودة منذ الاستقلال حتى هذه اللحظة. لقد فشلت خطة الغاء الطائفية السياسية من فوق وازدادت البنية التحتية ، الطائفية والمذهبية، رسوخا ً. فكيف لا يضج ّ البلد صدى للازمة التي يعيش؟

loading