روسيا

سوريا محكومة بالتزامن بين التصعيد وخفض التصعيد

ليس أهم من هزيمة داعش عسكريا سوى أن تنتهي وظيفته اقليميا ودوليا في اللعبة الجيوسياسية. الهزيمة تكاد تكتمل في الموصل الى حدّ قيام التنظيم الارهابي بجريمة رمزية معبّرة عن اليأس: تفجير جامع النوري الكبير ومنارته الحدباء التاريخية، حين أعلن أبو بكر البغدادي الخلافة في صيف ٢٠١٤. وهي على الطريق في الرقة ثم دير الزور والبوكمال. أما نهاية الوظيفة، فانها لا تزال سؤالا على الرغم من اشتداد التنافس والسباق على محاربة داعش بعد شهور طويلة من إعطاء الأولوية لمعارك أخرى وخصوصا داخل سوريا. أولا بالنسبة الى قوى راهنت ايديولوجيا وسياسيا على اقامة الخلافة التي كانت ولا تزال هدفا منذ سقوط السلطنة العثمانية وقرار مصطفى كمال أتاتورك انهاء الخلافة. وثانيا بالنسبة الى القوى الأقوى والأكثر عددا التي عملت على توظيف داعش في خدمة أهداف مختلفة لكل منها. لكن حرب سوريا مستمرة، وحرب العراق تدخل فصلا آخر بالمعنى السياسي، بصرف النظر عن هزيمة داعش ونهاية وظيفته.

إيران تستفيد من مواجهة أميركية - روسية في سورية

ما لم يقع خطأ ميداني غير مقصود، لن يحدث اشتباك أميركي- روسي في سورية لأن لا أحد في موسكو أو واشنطن يريد للعلاقات الثنائية المتوترة لفظياً أن تتخذ منحى المواجهة العسكرية. معظم دول المنطقة العربية، وعلى رأسها السعودية ومصر والإمارات والأردن، لا تتمنى أبداً وقوع تلامس عسكري أميركي- روسي، لأن هذه الدول حريصة على تمتين العلاقات الثنائية مع روسيا في الوقت الذي توطد فيه العلاقات التحالفية مع الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب بعدما كان الوهن أصابها في زمن باراك أوباما. إسرائيل مرتاحة إلى العلاقات مع موسكو- بالذات تلك الضمانات التي تتلقاها بعدم السماح للقوات الإيرانية أو الموالية لإيران بالاقتراب من الجولان السوري على الحدود الإسرائيلية- وهي واثقة من تحالفها مع الولايات المتحدة والحماية الأميركية لمصالح إسرائيل الاستراتيجية. إيران تبدو المستفيد الأكبر، وربما الوحيد، من اشتباك أميركي- روسي لأسباب عدة، من أبرزها قطع الطريق على أية تفاهمات أميركية- روسية تضحي بالمعادلة الإيرانية في سورية وإفرازاتها على مشاريع إيران الإقليمية.

شراكة مؤجّلة قد تحوّلها إيران صداماً أميركياً - روسياً

قدّم الرئيس الروسي سياسته الدولية بأنها «تصحيح» للنظام العالمي الذي تفرّدت الولايات المتحدة في الهيمنة عليه ووضع قواعـــــده. وإذ انطلق فلاديمير بوتين من تداعيات الغزو الأميركي للعراق وأفغانستان، ومن الفوضى التي عمّت ليبيا جرّاء التدخل الأطلسي لإسقاط النظام السابق، فإنه يعتقد أن إدارته الأزمتين السورية والأوكرانية في الأعوام الثلاثة الأخيرة وفّرت نموذجاً صائباً لما يمكن أن تكون عليه القيادة «الجديدة» للنظام الدولي بالاستناد الى جرائم الحرب المحرّمة إدانتها. لكن تبدّى الآن أن النموذج البوتيني يكاد يقوم على فكرة وحيدة هي إنكار القطبية الواحدة وإنهاء وضعية الدولة العظمى (الأميركية) الوحيدة، ولتطبيق ذلك أعطى بوتين أولوية لتقليد وحشية أميركا في فيتنام بالأسلوب الروسي في حلب بعد الشيشان، وانتقل التقليد الى مجلس الأمن الذي باتت موسكو تعطّله بتلقائيةٍ عمياء وغالباً ما كانت واشنطن تعطّله أيام الحرب الباردة. وفي السياق، فإن ما التقى ويلتقي عليه القطبان هو تهميش العدالة الدولية وتمرير جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وإذا تبادلا الاتهامات التشهيرية في شأنها فإن «الفيتو» يحول دون إصدار قرارات ودون التزامها وتفعيلها إذا أمكن إصدارها.

loading