إيران لم تقع في الفخ… بل نصبته

في البداية كان هناك صاروخان. لكن الصاروخين لم يكونا موجّهين إلى إسرائيل فقط. كانا موجّهين أيضاً إلى دونالد ترامب، وإلى بنيامين نتنياهو، وإلى جمهور "محور المقاومة" الممتد من بيروت إلى بغداد وصنعاء.


الرواية السائدة تقول إن إيران ردّت على إسرائيل. أما الرواية الأخرى، الأكثر إثارة للاهتمام، فتقول إن إيران هي التي بدأت اللعبة كلها.

وفق هذه القراءة، لم يكن إطلاق الصاروخين من جنوب لبنان مجرد حادث أمني أو مبادرة ميدانية محدودة، بل خطوة محسوبة هدفت إلى وضع إسرائيل داخل زاوية سياسية ضيقة للغاية.

ففي الأيام السابقة كان ترامب قد وجّه رسالة واضحة إلى نتنياهو: لا تصعيد في لبنان، ولا قصف للضاحية الجنوبية.

وكان الرئيس الأميركي منشغلاً بمحاولة انتزاع اتفاق مع إيران قبل أيام قليلة من حدث عالمي ضخم يتمثل في افتتاح كأس العالم، فيما كانت إدارته تسابق الوقت للوصول إلى تفاهم يخفف التوتر في المنطقة ويعيد الاستقرار إلى أسواق الطاقة.

هنا تحديداً دخلت إيران إلى المشهد؛ فإذا ردّت إسرائيل على الصاروخين وفق معادلة "الجليل مقابل الضاحية"، فإنها تصطدم مباشرة بإرادة ترامب. وإذا امتنعت عن الرد، فإن نتنياهو يواجه غضباً داخلياً إسرائيلياً يتهمه بالضعف والخضوع للضغوط الأميركية.

كانت تلك معادلة مصممة لإحراج إسرائيل مهما كان الخيار الذي ستتخذه. لكن حسابات طهران لم تتوقف عند هذا الحد. في الأشهر الأخيرة تعرض مفهوم "وحدة الساحات" لهزة عميقة.

في لبنان برز موقف رسمي يزداد وضوحاً في رفض ربط الدولة اللبنانية بالحروب الإقليمية. وفي العراق تتقدم مساعٍ سياسية وأمنية لحصر السلاح وتوحيد القرار العسكري. وفي أكثر من ساحة بدأ يظهر سؤال داخل جمهور المحور نفسه: هل ما زالت طهران قادرة ومستعدة للدفاع عن حلفائها؟

من هنا تكتسب الصواريخ الإيرانية معنى مختلفاً. فهي لم تكن موجهة إلى إسرائيل وحدها. كانت موجهة أيضاً إلى جمهور الحلفاء. إلى "حزب الله". إلى الفصائل العراقية، إلى الحوثيين. وإلى كل من بدأ يشكك في أن طهران ما زالت تقف خلف مشروعها الإقليمي. كان المطلوب رفع المعنويات أكثر من تحقيق إنجاز عسكري. وكان المطلوب القول إن استخدام الساحات لم ينته، وإن إيران ما زالت مستعدة للتحرك عندما تشعر أن أحد أعمدة المحور يتعرض للاهتزاز. لكن ربما كان الهدف الأهم في مكان آخر.


إيران اليوم ليست في أفضل أوضاعها الاقتصادية. الحصار يضغط بقوة. والاختناقات المالية تتزايد. وتكلفة المواجهة المستمرة ترتفع. وفي المقابل كانت المفاوضات مع واشنطن تقترب من مرحلة حاسمة.

هنا يصبح التوقيت مفهوماً. فطهران كانت تحتاج إلى رفع كلفة المماطلة الأميركية. وكانت تحتاج إلى تذكير ترامب بأن البديل عن الاتفاق ليس الهدوء، بل التوتر الإقليمي. وليس الاستقرار، بل الصواريخ.

وبالتالي فإن التصعيد لم يكن موجهاً ضد المفاوضات بقدر ما كان محاولة للتأثير فيها. وكأن إيران تقول: إذا كنتم تريدون هدوء المنطقة قبل الحدث العالمي الكبير، فعليكم أن تدفعوا الثمن السياسي المطلوب.

 

لماذا لم تخشَ إيران الرد الإسرائيلي؟

لأن طهران، وفق هذه القراءة، كانت تراهن على شيء آخر. كانت تراهن على ترامب نفسه. فالرئيس الأميركي الذي يسعى إلى اتفاق، ويحتاج إلى تهدئة الأسواق، ويستعد لاستحقاقات دولية وسياسية مهمة، لن يسمح لإسرائيل بالذهاب بعيداً.

وبالفعل، لم تمض ساعات على الرد الإيراني حتى كان ترامب يطالب نتنياهو بعدم الرد.

هنا تصبح الصورة مختلفة تماماً. إيران لا تواجه إسرائيل فقط، بل تستفيد من التناقض بين الاحتياجات الأميركية والحسابات الإسرائيلية. ولذلك لم يكن الهدف تحقيق انتصار عسكري، بل تحقيق مكسب سياسي مزدوج:

أولاً، إظهار إيران أمام حلفائها كقوة ما زالت تحمي مشروعها الإقليمي ولا تتخلى عن أتباعها.

وثانياً، دفع واشنطن نحو تسريع التفاهمات التي يمكن أن تخفف الحصار الاقتصادي الخانق الذي يزداد وطأة يوماً بعد يوم.

بهذا المعنى، قد لا تكون الصواريخ التي أُطلقت نحو إسرائيل أهم ما في المشهد. الأهم ربما هو الرسالة التي أرادت طهران إيصالها إلى الجميع: لسنا في موقع الدفاع فقط.

وإذا كان الآخرون يعتقدون أنهم يحاصرون إيران، فإن إيران ما زالت قادرة على تحريك المنطقة بأكملها لتحسين شروط تفاوضها.