زيارة سلام للجنوب: بين ألغام الميدان والسياسة

النيات الحسنة لا تبني أوطاناً إذا حاصرها خبث النيات الأخرى. زيارة رئيس الحكومة نواف سلام لجنوب لبنان مدى يومين، لم تكن مجرّد جولة تفقدية. كانت مساراً معبّداً بالألغام: ألغام خلّفها العدوان، وأخرى سياسية أعدّت بعناية لامتحان الرجل وإحراجه. الجنوب الذي اعتاد أن يكون ساحة رسائل، تحوّل مجدداً إلى منصة اختبار: من يحاسب من؟ ومن يتحمّل كلفة الدمار؟

الثنائي الشيعي، وعلى رأسه "حزب الله"، وجد نفسه في موقع حرج أمام بيئته المنكوبة. فكان الأسهل أن تُرمى كرة النار في حضن رئيس الحكومة، وأن يُقحم في ملف إعادة الإعمار، كأن قرار الحرب كان لمجلس وزراء، أو كأن الدولة هي التي اختارت توقيتها ومسرحها. محاولة تحميل سلام وزر ما لم يقرّره، ليست سوى إعادة توزيع للمسؤوليات هرباً من سؤال جوهري: من أدخل لبنان في حرب لا يملك مقومات الصمود فيها، ولا شبكة أمان عربية أو دولية تعينه على النهوض بعدها؟ هذا بالحد الأدنى، من دون التطرق إلى المقومات العسكرية والجهوزية وأهلية اتخاذ قرار الحرب والسلم.

على الرغم من الدمار الهائل، يبقى السؤال مزدوجاً: أولاً عن مسؤولية الداخل، حيث تجاهلت قوى الأمر الواقع تحذيرات لبنانية كثيرة من مغامرة بلا أفق، فكانت "العنجهية" أقرب إلى جنون عظمة قاد إلى الهاوية. وثانياً، مسؤولية العدو، حيث تبقى إسرائيل مطالبة، سياسياً وأخلاقياً وقانونياً، بتحمّل كلفة حرب دمّرت بنى تحتية ومنازل مدنيين، ولا تزال تتوغل وتعتدي يومياً على أراضٍ لبنانية. بين مسؤوليتين، تضيع الحقيقة إذا اختُزلت في خطاب تعبوي أو في استعراضات إعلامية.

سلام حاول أن يحصر زيارته في العناوين التقنية: ماء، وكهرباء، وبنى تحتية. كأنه يقول إن الدولة تبدأ من الخدمات، لا من الشعارات. إلا أن الهدف الفعلي للزيارة بدا، في حسابات الثنائي، فرصة لا تُفوّت قبيل الانتخابات: "شحمة على فطير" تعوّم شعبية متآكلة، وتقدّم مشهداً يوحي بأن الحكومة جاءت تستجدي رضا البيئة، فيما القوى نفسها حاضرة في البرلمان والحكومة ومفاصل الدولة العميقة.

حالة الارتياح التي تحدّث عنها الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم ربما لا تدوم طويلاً. فصناديق البريد البشرية التي تُستعرض أمام الكاميرات لتجسيد هواجس الناس، جاهزة دائماً لتعكير أي نشاط حكومي إذا اقتضت الحاجة. الرسالة واضحة: الدعم مشروط، والهدوء موقت، والجنوب يبقى ورقة ضغط لا مساحة شراكة.

ومن بعيد، تكشف الحفاوة التي استُقبل بها سلام مفارقة لافتة: الرجل الذي وُصف بالأمس بالخائن، بات اليوم أملاً مرحّباً به، وتُلقى في حضرته خطابات تتقاطع مع خطاب الحزب نفسه. كأن الجمهور عقول إسفنجية يُعاد تشكيلها تبعاً للحظة السياسية. غير أن الذاكرة، مهما أنهكت، لا تُمحى بسهولة.

ماذا لو تأجّلت الانتخابات؟ وماذا لو تآكلت الجماهيرية أكثر؟ هل يصبح الجنوب في حاجة إلى جولة ثانية، أو أن الاستحقاق واقع لا محالة، ويُستثمر على هذا المنوال لخدمة ثنائي يتقن إدارة الرموز أكثر مما يتقن إدارة الدولة؟

النيات الحسنة وحدها لا تكفي. ما يبني الأوطان هو وضوح المسؤوليات، وتوازن الدولة، وجرأة الاعتراف بالأخطاء. أما اللعب على حافة الهاوية فلن ينتج إلا مزيداً من الألغام… السياسية هذه المرّة.