المصدر: Kataeb.org
الكاتب: فرانسوا الجردي
الثلاثاء 9 حزيران 2026 22:07:37
منذ سنوات طويلة يتعرض لبنان لاعتداءات إسرائيلية متكررة، سواء عبر الغارات الجوية أو الاغتيالات أو الخروقات اليومية للسيادة اللبنانية. وخلال الأشهر الأخيرة تحديداً، شهد الجنوب اللبناني والبقاع وحتى ضاحية بيروت الجنوبية عشرات الضربات الإسرائيلية التي أوقعت قتلى ودماراً واسعاً، فيما اكتفت إيران في معظم الأحيان ببيانات التنديد أو التهديد الإعلامي دون أي رد مباشر. لكن المفارقة أن استهداف الضاحية الجنوبية يوم الأحد الماضي دفع طهران إلى إطلاق صواريخ باليستية نحو إسرائيل تحت عنوان «الدفاع عن لبنان». فماذا تغيّر؟ ولماذا الآن تحديداً؟
أولاً: هل كانت إيران تدافع عن لبنان أم عن هيبتها؟
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: لو كان الدفاع عن لبنان هو الدافع الحقيقي، فلماذا لم تتحرك إيران عندما كانت القرى الجنوبية تُقصف يومياً؟ ولماذا لم ترد عندما سقط عشرات الضحايا اللبنانيين خلال الأشهر الماضية؟
الواقع أن الضاحية الجنوبية بالنسبة إلى إيران ليست مجرد منطقة لبنانية، بل تمثل المركز السياسي والعسكري والإعلامي الأبرز لحزب الله، أي الذراع الاستراتيجية الأهم لطهران في المشرق العربي. ولذلك فإن استهداف الضاحية يُنظر إليه إيرانياً على أنه استهداف مباشر لنفوذها الإقليمي أكثر مما هو اعتداء على منطقة لبنانية فحسب.
ثانياً: سقوط الخط الأحمر الإيراني
تشير القراءات السياسية إلى أن طهران كانت تعتبر استهداف الضاحية الجنوبية خطاً أحمر. وعندما نُفذت الضربة رغم التحذيرات، وجدت القيادة الإيرانية نفسها أمام معادلة صعبة: إما الرد أو خسارة جزء من قوة الردع المعنوية أمام حلفائها وخصومها.
لذلك جاء الرد الإيراني محاولة لإعادة تثبيت صورة الردع أكثر مما كان تعبيراً عن تضامن مفاجئ مع لبنان.
ثالثاً: حماية حزب الله لا حماية الدولة اللبنانية
منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، لم تُعرف السياسة الإيرانية بأنها تستثمر في الدول بقدر ما تستثمر في الحلفاء والتنظيمات المرتبطة بها.
وعليه، فإن أي قراءة واقعية للأحداث تقود إلى استنتاج مفاده أن ما يهم طهران ليس الدولة اللبنانية بمؤسساتها الدستورية، بل بقاء حزب الله قوة مؤثرة وقادرة على الاستمرار.
رابعاً: المفاوضات الإقليمية وضرورة تحسين الموقع التفاوضي
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة مساعي دبلوماسية ومفاوضات معقدة. وفي مثل هذه الظروف تحتاج إيران إلى إثبات أنها لا تزال لاعباً قادراً على التأثير الميداني، وأن تجاهل مصالحها في أي تسوية إقليمية سيكون مكلفاً.
خامساً: استعادة صورة محور المقاومة
تعرضت صورة المحور الذي تقوده إيران خلال السنوات الأخيرة لاهتزازات كبيرة نتيجة الخسائر العسكرية والاقتصادية والسياسية التي أصابت عدداً من حلفائه في المنطقة.
ومن هنا يمكن فهم الرد الإيراني باعتباره محاولة لإعادة تعبئة جمهور هذا المحور وإقناعه بأن طهران لا تزال قادرة على الرد والمواجهة.
سادساً: لبنان مجدداً ساحة رسائل متبادلة
المؤسف في كل ما يجري أن لبنان يبدو مرة جديدة ساحة لتبادل الرسائل بين القوى الإقليمية والدولية.
فإسرائيل تضرب تحت عنوان مواجهة حزب الله، وإيران ترد تحت عنوان الدفاع عن لبنان، بينما يبقى اللبنانيون هم الذين يدفعون الثمن من أمنهم واستقرارهم واقتصادهم ومستقبل أبنائهم.
الخلاصة
إن الغيرة الإيرانية المفاجئة على لبنان لا يمكن فهمها بمعزل عن الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بالنفوذ والردع والمفاوضات الإقليمية. فالوقائع تشير إلى أن ما استدعى الرد الإيراني لم يكن مجرد تعرض لبنان لاعتداء إسرائيلي جديد، بل استهداف موقع تعتبره طهران ركناً أساسياً في منظومتها الإقليمية.
ويبقى لبنان، للأسف، عالقاً بين روايتين متناقضتين: إسرائيل التي تزعم أنها تدافع عن أمنها، وإيران التي تزعم أنها تدافع عن لبنان، فيما الدولة اللبنانية وحدها لا تزال تبحث عمّن يدافع فعلاً عن سيادتها ومصالح شعبها.
بقلم الكاتب السياسي فرنسوا الجردي