"إنجاز" اصطياد سمكة "قمر"

  • مقالات

مضحك مبكٍ خبر اصطياد سمكة "قمر" في طرابلس والاحتفال بهذا الإنجاز عبر وسائل الاعلام.
فسمكة "شمس المحيط" أو "قمر البحر" وقعت ضحية الجهل في لبنان. هذه السمكة المحمية دولياً والتي يجب عدم اصطيادها أصلاً، لا تؤكل لأن لحمها يحتوي على بعض السموم. ففي بلاد أخرى، يعتبر وجود هذه السمكة إنجازاً كبيراً، ويوصف عدم اصطيادها بالانجاز. اما في لبنان فإن اصطيادها إنجاز، وهذا نابع من الجهل. هذا المشهد يلخّص بعض الفكر اللبناني الذي يعتبر أموراً انجازات، بينما في بلدان أخرى متحضرة يعتبر عكسها إنجازاً.
ففي لبنان انتخاب رئيس بعد سنتين ونصف سنة من الفراغ اصبح انجازاً يفتخرون به ويحتفلون، أما في البلدان المتحضرة فإن هذا الامر هو بمثابة العار ونهاية الدولة والدستور.
في لبنان الاتفاق على قانون انتخاب جديد بعد تمديدين غير شرعيين لمجلس النواب أصبح أملنا، وبات إنجازاً لعهد جديد كأن اجراء الانتخابات في موعدها بقانون عصري هو ايضاً إنجاز!
في لبنان البحث في ملف نفايات بعد الأزمة التي طالت وطالت اصبح بالأمر الجيد، أما في بلدان أخرى فلكان سقط الحكم والمسؤولون بعد تلك الفضيحة التي تطال الصحة والبيئة!
في لبنان الخطأ متاح والقيام بالواجبات إنجاز في لبنان، المرفوض في أي عقل متزن ومتطور، مسموح ومشجع عليه. فقصة السمكة تلخص عقلية شعب يحتفل لأنه اصطاد سمكة كبيرة، ويأتي بالإعلام ليغطي "الاحتفالية" من  دون أن يعلم مخاطر هذه السمكة. فهذا هو وطننا، نهّول ونحتفل ونتصور ونغني ونرقص من دون ان نعلم حقيقة الأمور وخلفياتها وخطورتها. هذا المثل التفصيلي الصغير يلخص الكثير الكثير من عقلية علمتنا ان نأكل السموم وان نتصور أمامها بفخر واعتداد، من دون أن نعلم مضمون الأمور. فها نحن نهول ونحتفل مراراً وتكراراً أمام أحجام احتفالات كبيرة، وعقولنا لا ترى أبعد من الشكل لنكتشف لاحقاً الحقيقة الاليمة، وهي اننا نأكل كل يوم من سموم التركيبات والصفقات المغلفة بحقوق كاذبة للطوائف. وأسوأ ما في الامر اننا كمواطنين ندعي رفض ألاعيب السياسيين وصفقاتهم ومسرحياتهم الهزلية الفاشلة، فيما نعود الى ارتكاب أخطاء أفدح من خلال التسليم للسياسيين بكل ما يقومون به.
ألا يجري الآن فصل مماثل من هذه المسرحية الهزلية بحيث يعود السياسيون الى الضرب على وتر الطائفية، وحقوق الطوائف لتمرير الصفقة الكبيرة الآتية عبر قانون الانتخاب، ونحن جميعاً نصفق لهذا أو نرقص لذاك؟ نعلم جميعاً ان صفقة ستأتي على حسابنا ونصفق لهم، تماماً كمن يصطاد تلك السمكة ويكتشف متأخراً انها مسمومة. فما النفع ما لم نبدل نحن اولاً من تفكيرنا لكي نتمكن من تغييرهم لاحقاً؟

المصدر: النهار

popup closePierre