الانطلاقة نحو اللامركزية من توقيع سامي الجميّل

  • محليات
الانطلاقة نحو اللامركزية من توقيع سامي الجميّل

كان لافتاً كيف أيّد "التيار الكهربائي" صرخة النائب سامي الجميّل في بيت الكتائب في الصيفي، حين انقطع فجأة، وكأنه يؤكّد معاناته ويطلب النجدة. كان الحديث يدور في أثنائها عن تأثير اللامركزية الإدارية على إنتاجية الدولة وقدرتها التنافسية. وكان لافتاً أيضاً لحظة وقف أسعد نكد في القاعة، بعدما تأهب كـ "السبع" ليأخذ دوره في الكلام. حرّك المذياع صعوداً ليتناسب مع قامته بعدما بصم بأصابعه العشر على الطاولة، وباشر الحديث بنبرةٍ عالية لا تخلو من روح النكتة. كانت حينها جلسة النقاش قد ذبلت. ذلك أن أغلبية الحاضرين كانوا قد تكلّموا، وكلّ الذي كان ليقال قيل. لكن نكد أعاد النبض الى المناقشة كما أعاد الكهرباء 24 ساعة الى زحلة. وأنا لا أقف في صفّ "عاشق الميغاواطات"، لأني لم يسبق لي أن تعرّفته سابقاً، لكنني أعجبت بـ "كاراكتيره". رجلٌ متقدّم في العمر يستمد من "الشيخ سامي" روح الشباب ويشبهه في الحماسة وتطرب الآذان لمواقفه الصاخبة، حتى وإن كان البعض يعتبرها "شعبوية"، لكنها ومن دون شك، في حال كانت كذلك، فإنها لشعبوية رائعة وصادقة وتبعث الأمل في النفوس. ولم تكن مصادفةً ان الشخص الأول الذي أيد مشروع شركة كهرباء زحلة كان سامي الجميل، وفق ما سرد نكد، هو الذي عقد اجتماعاتٍ مكثّفة في دارة الصيفي في سبيل ايجاد حلولٍ جذرية لتطبيق المشروع على صعيد لبنان. 

واذا كانت اللامركزية عنوان حلقة المناقشة التي افتتحها ممثل مؤسسة "كونراد إدناور" في لبنان مالتي غاير، فإن ملف الكهرباء برز عنواناً عريضاً فيها. إنها اللامركزية الفضفاضة الشعار، يفهمها كلٌّ كما يرغب. قدّمت في سبيلها 3 مشاريع قوانين في التسعينات، لكنها وفق رؤية الجميل "لا علاقة لها باللامركزية بل انها اشبه بمشاريع لا حصرية". في 2009 بدأت المطالبة بإنشاء لجان فرعية لمناقشة الاقتراحات، عادت وتوقّفت عن العمل حتى شكّل الرئيس ميشال سليمان لجنة برئاسة الوزير زياد بارود. إذ "ضافر اختصاصيون جهوداً كبيرة لانتاج مشروع اللامركزية الذي صدر بعد عملٍ دؤوب مما جعل منه مشروعاً متكاملاً" وفق ما يسرد الجميل، مضيفاً ان "حلقة النقاش توسعت سنة 2015 في هيئة الحوار الوطني وتمثّل الهدف في تشكيل لجنة فرعية لدراسة القوانين المقدمة. طالبت التمهل للتواصل مع الهيئة برئاسة بارود واستأذنته لتقديم المشروع على شكل اقتراح قانون الى مجلس النواب مقترحاً توقيعه باسمي وتقديمه لدى اللجنة التي ستتولى دراسة قانون اللامركزية. استبعدت اللجنة الفرعية المشاريع في اول جلسة لها وقرّرت مناقشة المشروع الذي تقدّمنا به والذي يمثّل انطلاقة نحو لامركزية حقيقية". وعن الاجتماعات الاسبوعية التي تعقد في مجلس النواب، يقول الجميل إن "90% من العمل أنجز ولا بد من الوصول الى نتيجة في النقاط الخلافية. ذلك تحقق بعد صراخٍ وجهدٍ واصرار في مجلس النواب".

هذه الاجتماعات يصفها بارود بـ "المهمة ليس دفاعاً عن "الملكية الفكرية" للمشروع بل للحفاظ على مبدئياته وأساسياته وتصدياً للاعتراضات التي لها علاقة بهواجس غير مبرّرة ولها أجوبتها الواضحة". ذلك ان اللامركزية اذا ما اعتمدت في لبنان، "ستغدو مدخلاً نحو وحدة أكبر بين اللبنانيين لأنها تنفس الاحتقان على اعتبار ان المشروع وحدوي".

بنود المشروع

يفنّد بارود أبرز بنود المشروع من دون الدخول في تفاصيل معمّقة، مختصراً إياها كالآتي:

ـ اقتراح الغاء وظيفة القائمقام، والابقاء على المحافظ من دون المس بصلاحياته أو البلديات او مواردها المالية.

ـ انشاء مجلس على مستوى القضاء لحيازته شرعية تاريخية وتمتعه بقبول لبناني من دون الحاجة الى اختراع تقسيم جديد للمناطق الادارية.

ـ اعطاء المشروع صلاحيات واسعة لمجلس القضاء وينقل صلاحيات القائمقام له.

ـ تحوّل المحافظ الى صلة وصل بين المحلي والسلطة المركزية.

ـ نقل بعض الضرائب والرسوم من دون الحاجة الى استحداث ضرائب جديدة بهدف نقل الواردات من المركزي الى المحلي ومنها ضريبة الاملاك المبنية ما يغذي صندوق مجلس القضاء، ناهيك بالصندوق اللامركزي الذي سيحل مكان الصندوق البلدي المستقل ما يعطي البلديات واردات اضافية بحدود 20% من مدخولها.

ـ توزيع اموال الصندوق اللامركزي استناداً الى 4 مؤشرات علمية.

ـ هدف المشروع الأساسي رفع نسبة الانفاق المحلي من 7 الى 20% علماً ان المعدل العالمي 27%.

تجربة زحلة اللامركزية

تأسست كهرباء زحلة في ثلاثينات القرن الماضي على أساس انتاج الطاقة الكهربائية على 75% من بلدات قضاء زحلة. وكانت الشركة التي تفوق عمراً شركة كهرباء لبنان بثلاثة عقود زمنية تساهم في توزيع الكهرباء حتى بداية السبعينات، بعدما طلب منها التوقّف نتيجة الفائض المحقق في الانتاج لدى كهرباء لبنان. اندلعت الحرب الأهلية فدمرت البنى التحتية، وطال كابوس التقنين ولم يطلع الصباح بعدها. فهل يمكن اعتبار تجربة نكد مع كهرباء زحلة التي عاودت تغذية مدينة زحلة بدءاً من سنة 2014 خطوة اولى حقيقية نحو اللامركزية؟ "تحديت مافيات المولدات الذين هددوني وخرّبوا معدّاتي. جميع الأحزاب والطوائف مشت الى مشروعي بعدما وجدت ان الهدف انمائي ولا يمت للسياسة بصلة خصوصاً اننا كأرثوذوكس لا نتعاطى سياسة. لا تقنين. العداد صحيح. مصابيح الشوارع مضاءة ليلاً. البلدية استفادت من زيادة الضريبة على القيمة المضافة التي تحصّلها مني. المصارف وفدت الى المنطقة. 500 سوري يدفعون فاتورة الكهرباء كما اللبنانيون. الموظفون بقاعيون واصلاح الأعطال فوري". انها بمثابة نقاط يختصر فيها نكد تجربة كهرباء زحلة قبل ان تتفوّق لبنانيته على "زحلنته"، ليقول وهو واقفٌ يخطب بعلياء صوته في القاعة: "300 ميغاواط بياخدها لبنان من سوريا ليضوّي. مش عيب سوريا والعراق وتركيا يكون عندهم كهرباء 24 على 24 ولبنان بيشحد ليحصّل 12 ساعة؟".

 معوقات

إذا كانت تجربة كهرباء زحلة قد شهدت نجاحاً يعوّل عليه، بصرف النظر عن الملاحظات السلبية التي يسطّرها البعض، ولا بد من أخذ الموضوعية منها في عين الاعتبار، فإن معوقات وتساؤلات جمّة تحيط مفهوم اللامركزية في لبنان والتحديات التي قد تواجه تطبيقه.

يقول المحامي والمتخصص في الشؤون المالية والادارية كريم ضاهر إن "اللامركزية ليست ضرورة حتمية ولكن من المستحسن تجربتها لانتشالنا من هذا الواقع. لكن قد يتظهّر خطر الكانتونات المذهبية والتفاوت المناطقي الذي يؤدي الى نتيجة عكسية لأهداف اللامركزية، حيث ستتجه كلّ منطقة لبنانية الى الثأر من جارتها الأكثر منها تطوّراً". وفي رأي الأستاذ سامي عطالله أن "70% من البلديات التي نشأت غير قابلة للحياة. فيما خيار الاتحادات اصعب في ظل العدد القليل الممتلك وحدة جغرافية قادرة على الانماء المناطقي وهذا مزعجٌ ومخيف. فضلاً عن تنفيعات الجباية وعدم لمّ بعض البلديات لرسومها المباشرة لأسباب انتخابية". من جهتها، تعتبر رئيسة اتحاد بلديات الشوف السويجاني الدكتورة نهى الغصيني أن "المشكلة تكمن في عدد البلديات البالغ في آخر إحصاء 1038 منها 700 بلدية ضعيفة لا تتمتع بهيكلية او قدرات بشرية ومادية للقيام بتنمية مستدامة. فضلاً عن خضوع بلديات من دون سواها لديوان المحاسبة ما يظهّر المشكلات في الرقابة المالية والادارية". واذا كانت اللامركزية هي الدرجة الاولى المتعلقة بتقديم الخدمات، فإن "على الاحزاب السياسية تثقيف الحزبيين ليعوا معناها"، وفق الدكتور أندريه سليمان، مضيفاً ان "اللامركزية ببعدها النظري شيء وببعدها الحقيقي شيء آخر، فتختلف المسألة من الناحية التطبيقية".

وفي استنتاجٍ عام مقتبس من رأي الأستاذ زياد عبد الصمد، يمكن الاستخلاص ان "النظام اللامركزي يساعد في تحقيق التوازن في موضوع التنمية المستدامة. وهو النظام السهل الممتنع لمعالجة التمييز المناطقي. فيما حدّد الطائف كيفية وصول المواطنين الى الخدمات. الدستور تحدّث عن الانماء المتوازن بمعنى ان الهدف من اللامركزية تنموي صرف أكان على مستوى إيصال الخدمة او الانماء المتوازن بين المناطق".

مجد بو مجاهد 

المصدر: النهار