البلد الذي هو اكثر من بلد

  • مقالات
البلد الذي هو اكثر من بلد

يكاد لبنان يصبح بلدا ً بلا معنى، او هكذا كان التعامل معه في الآونة الاخيرة، لدى اجلاء مئات المسلحين والمدنيين بموجب ما عرف باتفاق الزبداني ، عبر الاراضي اللبنانية، بل عبر مطار بيروت الدولي، وصولا الى تركيا. المشهد مشهد بلد ليس بلدا ً، ولا هو دولة بطبيعة الحال، بل ارض سائبة وكما هو منذ اسقاط الدولة اللبنانية قبل اربعين عاما ً ونيفا ً، أمّا اللبنانيون فشهود زور فقط على هذه الحال التي لا يعرف لبنان الاّ من خلالها. أمّا ما قبلها فقد طواه النسيان او فقدان الذاكرة المشتركة التي تجمع، عادة، بين اجيال اي بلد واي شعب واي مجتمع.

ومن من ابناء هذا الجيل، جيل ما بعد الحرب الاهلية كما يقال، يعرف ان ما كان قبلها لم يكن ابدا ً على هذه الصورة، ولا كان على هذا القدر من الفوضى والتسيّب والضياع والاذلال. على العكس من ذلك كان هناك بلد مزدهر... أجل، كان هناك بلد مزدهر على كل المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية خصوصا ً،

كان معدّل دخل الفرد من اعلى المعدّلات في الشرق، فيما العملة اللبنانية تزاحم الدولار الاميركي على مكانته في الاسواق ولا ثمة حديث او كلام على الدين العام. وكانت هناك ايضا، وخلافا لكل ما يقال، دولة ومؤسسات وديموقراطية وحريات في كل المجالات، وحياة سياسية، وتداول للسلطة، بل كانت هناك الدولة المدنية الوحيدة في هذا الشرق التي تحترم كل الاديان بدل ان تصادر الدين بغية توظيفه في لعبة السلطة وما يتصل بها من الاعيب وتجاوزات.

على الاقل لم يكن لبنان يوما ً ممرّا ً او معبراً لصفقة مثل التي كان عنوانها "اتفاق الزبداني" ولبنان منها آخر من يعلم ، فضلا عما تحمله من اخطار على امنه واستقراره وعلى معنى وجوده بالذات.

بيد ان هذا كله يكاد يصبح منسيا ً او مجهولا ً لدى جيل كامل هو هذا الجيل الذي يكاد يصدق ان لبنان لم يكن بلدا ً ابدا ولا كان دولة على الاطلاق، ولا كان فيه نظام او قانون، ولا كانت فيه حياة كريمة او لائقة، بل ان ماضيه هو مثل حاضره، اي اقل من بلد، وفي احسن الاحوال بلد بلا ماض له او تاريخ، وهو بالكاد يحسن ان يحكم نفسه بنفسه، فكيف في ان يكون دولة بالمعنى الصحيح؟ امّا انتشار السلاح فعادة موروثة، وكذلك انتفاء سلطة القانون واستباحة الاملاك العامة والخاصة ، وقطع الارزاق والاعناق، بل قطع كل صلة لهذا البلد بماضيه سواء كان على مستوى الناس والاجيال الشابة منهم ام على مستوى القيادات والزعامات او النخبة السياسية نفسها. فهؤلاء ايضا او معظمهم من نتاج ذات الثقافة التي ترى الى لبنان على انه بلد قيد التأسيس دوما هو وهويته وطرائق حكمه لا البلد التاريخي الذي كان، وبفضل نظامه وهويته وطرائق حكمه عضوا مؤسسا في جامعة الدول العرية كما في منظمة الامم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان. واذا كان من حريات لا يزال ينعم بها اللبنانيون حتى الآن كما لم ينعم بها اي شعب من شعوب هذه المنطقة من العالم فبفضل نظامه وهويته وطرائق حكمه ايضا، ناهيك بتاريخه المديد الذي هو تاريخ الحرية في هذا الشرق . فهل من يقرأ على الناس تاريخ هذا البلد بل تاريخ هذا الكيان السياسي الذي كانت الغاية منه جعل لبنان بلد حريات؟

المصدر: Kataeb.org

popup closePierre