الراعي: لخروج لبنان من الازمات التي أوصلها اليه المسؤولون في الدولة..

  • محليات
الراعي: لخروج لبنان من الازمات التي أوصلها اليه المسؤولون في الدولة..

ترأس البطريرك الماروني الكردينال مار بشارة بطرس الراعي، في اطار مواصلة احتفاليات اليوبيل ال250 لوفاة العلامة يوسف سمعان السمعاني، قداسا احتفاليا في باحة كنيسة السيدة حصرون وعاونه النائب البطريركي العام على الجبة المطران جوزيف نفاع، حافظ ارشيف مكتبة الفاتيكان المطران جان لوي بروغيز، المونسينيور طوني جبران والخوري القاضي انطونيوس جبارة، وبمشاركة المطران منير خيرالله وحشد من الكهنة والرهبان. وخدمت القداس جوقة القديسة رفقا بقيادة الاخت مارينا سعد.

حضر القداس غسان بريص ممثلا وزير الخارجية في حكومة تصريف الاعمال جبران باسيل، سفيرة تشيلي مارتا شلهوب، والنواب: ستريدا جعجع، جوزاف اسحق وانطوان حبشي، رئيس اتحاد بلديات الجبة ايلي مخلوف، ورؤساء بلديات المنطقة ورئيس رابطة المخاتير الكسي فارس والمخاتير، مديرة الاكاديمية المارونية للانتشار هيام البستاني، روز الشويري وعدد من ممثلي المعاهد والمؤسسات التربوية ومسؤولي الهيئات والجمعيات ومدراء المدارس وحشد من ابناء البلدة والجوار.

بداية، القى كاهن الرعية الخوري جبارة كلمة قال فيها: "نجتمع اليوم، بشركة ومحبة، مع غبطتكم، لنحتفل معا بالذكرى المئتين والخمسين عاما، على وفاة المطران يوسف شمعون السمعاني الحصروني، الذي مات ودفن في كنيسة المدرسة المارونية في روما.السمعاني الكبير، هو ابن حصرون، وأعلم علماء الموارنة، الذي قضى مجمل حياته في المكتبة الفاتيكانية، يؤلف، وينشر، ويجمع المخطوطات، وينظم شؤون الكنيسة؛ انه صاحب المكتبة الشرقية Biblioteca Orientalis وغيرها من المؤلفات العلمية التي أطلقت حركة الاستشراق، وعرفت الغرب على الشرق، كما عرفت أيضا الشرق على الغرب.."

وتابع: "لذلك نعاهدكم أن نبقى شهودا للانجيل ومنارة هذا الوادي المقدس، نحافظ على تراث آبائنا وأجدادنا في خدمة الكنيسة وتجددها وتعزيز الحياة الروحية فيها، ونحن ثابتون في ايماننا بالعلاقات المسيحية الاسلامية الطيبة التي عشناها في حارة الحصارنة في طرابلس، والتي نصر على أن نحافظ عليها لنحفظ لبنان"، داعيا الى "دعم مشروع جمع تراث وأعلام حصرون وكتابة تاريخها".

وبعد تلاوة الانجيل المقدس، القى البطريرك الراعي عظة بعنوان "ها منذ الآن تطوبني جميع الأجيال" (لو48:1). وقال: "في بيت اليصابات، بعد بشارة الملاك لمريم، أنشدت العذراء صلاتها النبوية: "تعظم نفسي الرب". فأضحت صلاتنا ببعديها: الأول، "تعظيم" الله لما أجرى من عظائم في شخص مريم، أمته المتواضعة، وبواسطتها لجميع البشر. والثاني، استيداعها طلباتنا كأبناء لله لكي تشفع بنا لدى عرشه الإلهي. فهي تعرف تماما بشريتنا التي خطبها ابن الله (كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 2675). نشيدها نشيد العبادة الحقة لله: نعظمه ونسبحه ونمجده ونتضع أمامه، ونقر شاكرين بالعظائم التي يجريها، وبأن اسمه قدوس (المرجع نفسه،2097)".

أضاف: "يسعدنا أن نحتفل معكم، يا أبناء حصرون الأعزاء، بعيد انتقال أمنا وسيدتنا مريم العذراء بنفسها وجسدها إلى مجد السماء. وهي شفيعة بلدتكم العزيزة إلى جانب مار لابا والقديسة حنه. وللثلاثة كنائس تكرمونهم فيها، فضلا عن أماكن عبادة أخرى على إسم مار يعقوب المقطع ومار مخايل ومار توما، بالإضافة إلى القديسين الذين تكرمونهم في مذابح خاصة بهم في كنيسة السيدة هذه، منهم: مار يوسف، ومار أنطونيوس البادواني، والقديسة تريز الطفل يسوع. كل هذه الكنائس والمعالم التقوية تدل على رسوخ الإيمان وحياة الصلاة في نفوسكم وفي عائلاتكم جيلا بعد جيل. بفضل هذا التراث المسيحي الماروني الأصيل، أنجبت بلدتكم بطريركين هما البطريرك يعقوب عواد، والبطريرك سمعان عواد، وثلاثة مطارنة، هم: المطران يوسف سمعان السمعاني حافظ المكتبة الفاتيكانية، وعمه المطران يوسف السمعاني رئيس أساقفة طرابلس، والمطران أسطفان عواد السمعاني، وعددا غفيرا من الكهنة والرهبان والراهبات. كما أعطت وجوها معروفة، سياسية وثقافية وعلمية بمختلف الإختصاصات. وهي تفتخر اليوم بأحد أبنائها، وهو عزيزنا النقيب جوزف إسحق، يدخل القبة البرلمانية نائبا".

وتابع: "وكم أسعدنا قبل ظهر اليوم، بالندوة العلمية، في قاعة كنيسة القديسة حنه، التي كشفت شخصية العلامة المطران يوسف سمعان السمعاني حافظ المكتبة الفاتيكانية، في ذكرى مرور 250 سنة على وفاته. إنه مفخرة للكرسي الرسولي ولكنيستنا المارونية ولحصرون والمنطقة، بل وللبنان كله. بإحياء كل هذا التراث الحصروني الغني روحيا وثقافيا، كنسيا ومدنيا، نتذكر أن قيمة لبنان في ثقافة شعبه وتفوقه بالعلم والابتكار والروح الخلاق. فلا يستطيع المسؤولون في الدولة عندنا إهمال قطاع التعليم والتربية بجناحيه الرسمي والخاص، وكلاهما للمنفعة العامة. لا يحق لهم إهمال المدرسة الرسمية في مبانيها ومساحاتها وإداراتها ومعلميها ومستواها؛ كما لا يحق لهم إرهاق أهالي التلامذة الذين يختارون المدرسة الخاصة لأولادهم بعدم مساعدتهم من خلال تحمل الدولة الزيادات التي تفرضها على الرواتب والأجور في المدرسة الخاصة، فتخفض عندئذ الأقساط المدرسية وتبقى في متناول شعبنا. ومن جهة ثانية لا يحق للمسؤولين في الدولة السماح بتأسيس جامعات تنبت كالفطر، ومعيارها طائفي وسياسي وتجاري، مع غض النظر عن تدني المستوى الجامعي، وعن بيع الشهادات وشرائها".

وقال: "ها منذ الآن تطوبني جميع الأجيال" (لو48:1). منذ ألفي سنة والشعب المسيحي يعظم الله مع مريم، ويقر بالعظائم التي أجراها فيها ويجريها في تاريخ البشر. هكذا فعل آباؤكم وأجدادكم من جيل إلى جيل، إذ كان حضورهم الفاعل معروفا في أزمنتهم، على الرغم من كل الصعوبات والاضطهادات والاعتداءات في مختلف العهود التي حكمت منطقتنا. إن كنائسكم القديمة وبقايا أماكن العبادة خير دليل على ذلك. فبفضل ايمانهم ورجائهم، وبقوة صلاتهم، وباتكالهم على السيدة العذراء ومار لابا الرسول، صمدوا وترسخوا في هذا الجبل على مشارف الوادي المقدس، مستنشقين أريج بخور صلوات الحبساء والبطاركة والمطارنة وقداستهم. إن الطوبى التي نعطيها لأمنا السماوية مريم، إنما هي تلك التي تصدر من قلوبنا المفعمة بالحب، ومن أعمالنا الصالحة، ونشاطاتنا البناءة؛ ومن مواقفنا والمبادرات الرامية إلى كل ما هو خير وحق وعدل".

واردف: "مريم نقلت بنفسها وجسدها إلى السماء، ساعة نياحها، لأنها كانت، طيلة حياتها، في حلوها ومرها، إمرأة الإيمان والرجاء والمحبة. بالإيمان قالت "نعم" يوم البشارة لإرادة الله ولتدبيره الخلاصي كإبنة، على لسان الملاك جبرائيل. وبالرجاء رافقت بثبات ابنها يسوع في رسالته الخلاصية على هدي أنوار الروح القدس. وبالمحبة تحملت مع ابنها الإلهي الآلام والصلب، وقبلتها مثله ذبيحة حب لفداء الجنس البشري. وهكذا رسمت لنا الطريق في الحياة، المؤدي إلى كل حق وخير وجمال، فإلى الله. إننا نصلي كي يسلكه كل إنسان، وخصوصا المسؤولون عندنا في الدولة من أجل الخروج من الأزمات التي أوصلوا إليها البلاد والشعب والمؤسسات. بدءا من أزمة تأليف الحكومة، فالأزمة الاقتصادية - الاجتماعية، فأزمة تمزيق الوحدة الداخلية بسبب الولاء لهذه الدولة أو تلك، واستجرار النزاعات الجارية في المنطقة إلى الداخل اللبناني، وبسبب السعي من هذا الفريق وذاك إلى المصالح والمغانم الخاصة والنفوذ على حساب الدولة ومؤسساتها. وفي كل ذلك، الشعب هو الضحية، ولا سيما شبابنا الطالع إذ يرى آماله وطموحاته محطمة".

وختم: "لكننا في كل حال، نتطلع إلى أمنا وسيدتنا مريم العذراء، التي ترافقنا بعينها الساهرة من السماء، وهي رجاؤنا، ملتمسين من الله بشفاعتها أن يشعل في قلوبنا فضائل الإيمان والرجاء والمحبة، لكي نسير على الدرب الذي رسمته لنا في حياتها على الأرض، فنبلغ ميناء الخلاص والأمان، مسبحين الثالوث القدوس، الآب والإبن والروح القدس، الآن وإلى الأبد".

وفي ختام القداس، ألقى رئيس البلدية المهندس جيرار السمعاني كلمة حيا فيها البطريرك الراعي، مؤكدا "ان الموارنة هم نساك لبنان وعظماء تاريخه وحاضره ومستقبله .... هؤلاء هم قديسوه". وقال: "أعيدوا إلينا وطن السمعاني وجبران وطن القداسة والإيمان، أعيدوا إلينا لبنان، فإحتفالنا اليوم بالعلامة الكبير، أجده علامة من السماء ورسالة علامة إمتياز وفخر للبنان وحصرون والكنيسة المارونية ورسالة لكل لبناني هنا وفي أصقاع المعمورة كي نكمل مسار ومسيرة المقاومة المقدسة".

كما ألقى النائب اسحق كلمة، قال فيها: "باسمي وباسم زميلتي النائب ستريدا جعجع اعرب لكم عن مدى اعتزازي بمشاركتكم لنا في هذا الحدث الذي لطالما اردناه محطة مضاءة تتكامل لتسليط الضوء على كل اشعاع ثقافي في جبة بشري الزاخرة بالنبوغ، منذ عقود تتردد على مسامعنا تعابير ودعوات للحفاظ على ما تركه العظماء والمفكرين بطاركة وعلماء أسهموا في إضاءة طريق المجتمعات في كافة الميادين الثقافية واللغوية والكنسية حققوا الإنجازات للمجتمعات التي عبروا من خلالها لربط الشرق بالغرب. حتى أنهم تميزوا وباتوا مضرب مثل في العالم حتى قيل "عالم كماروني" نسبة لما حققه تلامذة المدرسة المارونية وفي طليعتهم العلامة السمعاني".

اضاف: "على كتف الوادي المقدس العابق ببخور النساك والبطاركة القديسين وأمام تمثال عالم لم يتمكن أحد من إحصاء مؤلفاته وترجماته، نلتقي أمام تمثال العلامة يوسف سمعان السمعاني نابغة عصره لنحيي اليوبيل ال250 على وفاته بعد أن أغنى العديد من الثقافات المشرقية والمغربية. نلتقي على ضفة من ضفاف وادي القديسين حيث عاش البطاركة القديسون الذين شكلوا مقاومة حقيقية على الصعيدين الروحي والزمني، واجهوا مختلف أنواع الإضطهاد، صمدوا في وجه كل الغزاة وقدموا الدماء في سبيل الحفاظ على أرضهم وكرامتهم فشكلوا عبر التاريخ مقاومة حقيقية إنطلقت مع البطريرك يوحنا مارون، مرورا بالمكرم البطريرك الدويهي والبطريرك سمعان عواد ونسيبه البطريرك يعقوب عواد والبطريرك انطون عريضة والبطريرك الحويك مؤسس دولة لبنان الكبير، وصولا الى بطريرك الاستقلال مار نصرالله صفير فراعي الكنيسة وبشارتها غبطة أبينا البطريرك الراعي. وكانت مقاومتهم محط أنظار العالم، يستلهمون منها الصمود والشهادة في سبيل الإيمان والمبادئ والقيم".

وختم: "اشكركم جميعا واخص بالشكر لجنة يوبيل السمعاني لأنكم أضفتم عبق أريج على وردة الجبل حصرون وأؤكد أن مقاومة البطاركة العظام وإنتشار ثقافتهم عبر أقطار العالم شكلت لنا جميعا أمثولة زودتنا بالإيمان والقوة للدفاع عن وطن الأرز لبنان. كيف لا ونحن درع هذه الدولة وثباتها ولن نستكين ولن ننعس إطلاقا بل سنستمر في تقديم الشهادة في الزمن العصيب والقلم والفكر في زمن السلم ليعود لبنان مفخرة للعالم".

بعدها، قدمت اللجنة دروعا تذكارية وكتاب السمعاني للبطريرك الراعي والنواب والمطارنة وجوقة القديسة رفقا وادارة تلفزيون "ام تي في" لمواكبتها كامل تفاصيل الحدث ولجامعة الروح القدس والاب انطوان ضو وكل الذين ساهموا في انجاح الاحتفاليات.

ثم افتتح الراعي المعرض الجديد للعلامة السمعاني في البلدة الذي صممه ونظمه الخوري فريد صعب وجال الجميع في ارجائه. واقيم كوكتيل بالمناسبة.

تجدر الاشارة الى انه أعد استقبال حاشد للبطريرك الراعي امام مركز بلدية حصرون وسط سوقها الاثري، وانتقل البطريرك والمطارنة ومستقبليه سيرا الى باحة الكنيسة على وقع نثر الورود والارز وموسيقى مار لابا- حصرون.

المصدر: الوكالة الوطنية للإعلام