الزوجة المغتصبة: احموا ابنتي

  • مجتمع
الزوجة المغتصبة: احموا ابنتي

اختارت «رلى» اسمها المستعار لتقدّم شهادتها عن دورة كاملة من الاغتصاب المتواصل عاشتها منذ كانت طفلة. رفضت ان تظهر وجهها امام الكاميرات المصطفة امامها، لكنها كانت جريئة جدا، نطقت باسمها الصريح وقالت أغفلوه لأنه ليس هو المهم الآن، المهم أن تعرفوا ماذا يخفي هذا المجتمع. المهم ان تتصرفوا لتحموا ابنتي يارا كي لا تعيش الدورة نفسها

 

على الطاولة المستديرة التي نظمت، أمس، التجمع النسائي الديمقراطي و«open society»، تحت عنوان «العنف الجنسي ضد المرأة في لبنان»، لم يكن حاضراً إلا رجل واحد بين المدعوين و3 مصورين. رحل الثلاثة وبقي الرجل وحيداً بين نساء كثيرات. حضوره جميل، لكنه لا يعوّض الغياب «غير المبرر» للفئة التي كان يجب أن تكون هنا لتناقش ما يقدم عليه البعض باسم الذكورة أو الرجولة.

 

قيل الكثير في القانون والمجتمع ومنظومة الحقوق والثقافة السائدة، لكنّ رلى (اسم مستعار) وحدها اختصرت القضية باقدامها الجريء على رواية قصصها مع الاغتصاب «الاسري»، الذي لم يجرّمه مشروع قانون حماية النساء وسائر افراد الاسرة، بل ذهب الى تكريس حق الزوج في الجنس.

 

رلى، الطفلة التي اغتصبت في منزل العائلة، والشابة التي اغتصبت لاحقاً من الزوج. لديها قصص موجعة ترويها.

 

في عمر الخمس سنوات، تحرش زوج عمتها بها ليلاً عندما كانت تذهب للنوم في بيت العمة مع الصغيرة التي تقرب من عمرها. في منتصف الليل، كان ينقل رلى من سرير ابنته ويأخذها إلى سريره. يرميها بينه وبين عمتها، التي ترجح رلى أنه «كان ينوّمها حتى لا تشعر بشيء». يداعبها بطريقة مقززة، لكنها، لم تبكِ يوماً. ربما، لأنها لم تفهم ما الذي كان يحصل. طيلة سنوات، كانت الأمور تسير على هذا النحو. الصغيرة تنقل من سرير إلى آخر ويفعل بها الشيء الذي لا طاقة لها على فهمه في تلك السن الصغيرة. وهو الفعل الذي عرفته عندما اغتصبها في عمر الـ12 عاماً، وعرفت معه قصة أقسى عن شقيقين ولدتهما أمها من علاقتها مع زوج عمتها نفسه.

 

عندما اغتصبها «الوحش»، تعقدت حياة رلى. ألزمها بالسكوت، هددها بقتل عائلتها كلها. خافت بالتأكيد لكنها، لم تستمر فترة طويلة، إذ أخبرت والدتها بما حصل. غير أن الأخيرة أسكتتها لأن زوج العمة كان يدير أموال والدها بعد وفاته، الذي تبين «لاحقاً أنه أكلها». هنا، صار الوحش ولي الأمر، وتكررت حالات التحرش.

 

مع ذلك، أكملت رلى حياتها على نحو طبيعي. تعلّمت وعملت. وعندما أتاها «العريس» تزوجت. ربما، هرباً. اعتقدت أنها تؤسس حياتاً، لكنها أخطأت عندما بدأ الزوج يغتصبها ويغتصبها الى ما لا نهاية. مع ذلك، أنجبت طفلة حلوة. سمّتها يارا. خافت عليها من مصيرها، فجهدت في حمايتها. تركهما الزوج وسافر وتزوج أخرى إمعانا في الاغتصاب. لم يبق أمامها إلا شقيقها التوأم، لكنه ذكر ولد في هذه البيئة «أجبر والدتي على فراش الموت على ان تكتب بيت العائلة باسمه، وقد فعلت». بقيت رلى وطفلتها بلا معين «إلا يسوع والعدرا». جالت على بيوت بالإيجار وعندما وجدت عملاً لم تهنأ، فقد حاول صاحب العمل التحرش بابنتها.

 

تخيّلوا دورة حياة كاملة مبنية على الاغتصاب! على الالم! لذلك لم يكن يهم رلى امس الا استجداء حماية ابنتها يارا. لم تطلب شيئاً لنفسها. هي، التي اغتصبت مراراً، تعرف أن قليلين سينصفونها فقط، كل ما تطمح اليه ان تعيش يارا حياتها بلا تحرّش او اغتصاب. ولهذا، رفضت تعميم صورة وجهها الباكي. هي ضحية، وهذا ثابت، فما الذي سيفعله من يسمعون قصتها؟ ثم، ما الذي تعتمد عليه في القانون؟ القانون الذي لم ترد فيه عبارة الاغتصاب إلا «لغير زوجه». وعندما صار هناك مشروع قانون مدني، حوّر في ما بعد ليصبح مشروع قانون حماية لجميع أفراد الأسرة، يجرّم في نسخته الاولى «الاغتصاب الزوجي» بالاسم، فقامت الدنيا ولم تقعد وأعيدت صياغة المشروع من اجل التأكيد على حق الزوج في نيل الجنس من زوجته. وفي آخر المطاف، غُرّم الأذى الذي يمكن فقط أن يتسبب به الزوج لزوجته بعد أن تُنهي «واجبها الجنسي» معه. هكذا، عطلوا عنصريه: المادي والمعنوي. وكرسوا في القانون الذي يفترض أنه مدني، ما تنص عليه الأحوال الشخصية الطائفية تحت مسمى الحقوق الزوجية. انطلاقا من هذا الواقع، لم ترد رلى أن تصوّب الكاميرا عليها، رفعت يدها خائفة، مما قد تحدثه العدسة في حياتها. ونحن، رفعنا أيدينا نطلب منها المزيد من الجرأة. لم نفهمها. طالبناها بما لا طاقة لها عليه، كأننا اردنا لها ان تكون ضحية دائمة مع بعض «الفوتوشوب» لاخفاء معالمها. مع ذلك، لم تثق بنا، وكلنا يعرف ذلك. فهذه الشابة، التي بدأت تتماهى مع الأشياء المستعارة، تفعل الصورة في وجهها، ما لا تفعله بالنسبة إلى بقية المتفرجين.

 

«ليس هناك تعريف للعنف الجنسي، أي ليس هناك جريمة اسمها العنف الجنسي، بل هناك مروحة من الأفعال تضيق وتتسع وفق القانون»، تقول المحامية ماري روز زلزل. فلنأخذ مثلاً قانون العقوبات الذي يفرد موادّ للأذى الجسدي، لم يُلحظ فيه ما يدلل على الاغتصاب الزوجي، والدليل المادتان 503 و504 اللتان تعاقبان «بالأشغال الشاقة المؤقتة لخمس سنوات من جامع شخصاً غير زوجه لا يستطيع المقاومة بسبب نقص جسدي أو نفسي أو بسبب ما استعمل نحوه من ضروب الخداع». وعلى هذا الأساس، يعني أن «العنف ضد الزوجة ليس مشكلة، على اعتبار أنها من ملحقات الرجل». وأكثر من ذلك، ليس هناك حقوق مكتسبة للمرأة بالمطلق «وهذا يتطلب نضالاً طويلاً». وأيضاً وأيضاً «المحاكم ما بتحكم بشي اسمه العنف الجنسي، إنما تحكم بأفعال تدخل تحت حالة العنف الجنسي»، لكن، لا يجوز أن ننسى بعض الاجتهادات المضيئة، منها مثلاً ما يقوم به بعض القضاة اللبنانيين الذين ذكروا التحرش، وأصدروا أحكامهم على هذا الأساس. ذكروا «جرم التحرش» غير الموجود في القانون. وهنا استنسبوا.

 

قد يكون هناك نص يجرم، لكن في المقابل هناك حياء. وفي هذا الاطار، تشير زلزل إلى أن «مشكلة التحرش لا تتعلق فقط بغياب النص، بل هناك حياء في التعامل معه». وهذا قد يحصل. أما المشكلة الأخرى، فهي التي تتعلق بالأهل الذين يخافون على «صيت» المعرضة للاغتصاب. لا يروون ولا يدّعون. وإن ادعوا، تراجعوا في غالبيتهم. وهذا ما يحدث فعلاً.

 

أطاح مشروع القانون المتعلق بالعنف الاسري عبارة الاغتصاب الزوجي، مشيراً إلى أن ما تفعله الزوجة واجب، والحالة الوحيدة التي يعاقب عليها الزوج، فيما لو تسبب بالأذى لزوجته. وهنا، يختصر ما يجري بأنه حق من حقوق الزوج. وقد «يتنطح» كثيرون ليقولوا «الرجل معنف أيضاً»، لكن، إن كان «يلحقه» 10%، حسب التقديرات العالمية، فلا يجوز أن ننسى أن 90% تلحق بالمرأة.

 

راجانا حمية

 

المصدر: الأخبار