اللاجئون السوريون في بازار السياسة اللبنانية

  • مقالات
اللاجئون السوريون في بازار السياسة اللبنانية

لقد انتظر اللبنانيون زهاء تسعة أشهر لتشكيل حكومة علّقوا عليها امالاً كبيرة نتيجة الوعود التي أغدقتها عليهمأحزاب السلطة. ولكن ونظرًا لتشابه طريقة تشكيلها مع الحكومة السابقة، ولكونها تضممعظم أفرقاء الحكومة السابقة، ولتبنّيها البيان الوزاري للحكومة السابقة، بدأت الآمال تتهاوى. وبدل أن تضع هذه الحكومة، ومنذ جلستها الأولى، الخطط، وبدل أن تعصف أفكار وزرائها حول كيفية مواجهة تدني نسبة النمو التي لن تزيد هذه السنة عن ٢٪، أو حول كيفية مواجهة أزمة البطالة التي وصلت الى حدود ٤٠٪، او حول كيفية مواجهة ازمة الكهرباء والعجز والدين العام والفساد والخ، نراها تدخل في جدال بيزنطي حول موضوع اللاجئين السوريين. وتحولت الجلسة الأولى للحكومة الى حلبة صراع حاول فيها كل فريق تسجيل نقاط على الفريق الأخر للخروج امام مناصريه بانتصارات وهمية. وهنا تُطرح أسئلة عديدة من بينها، لماذا تعمقّت الخلافات بين اللبنانيين حول أزمة تمثّل مخاطر كبيرة على الكيان والهوية هي أزمة اللاجئين السوريين؟ وهل هذه الخلافات هي في مكانها الطبيعي؟

من بين أسباب تعمّق الخلافات هو الغياب الشبه التام لسلطة الدولة وهيبتها منذ ان بدأت هذه الأزمة تلوح في الأفق في العام ٢٠١١، وتحديدًا في أيام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، التي تشكّلت في حزيران من ذلك العام. ورأينا الحكومة وقتذاك، وبدل المواجهة، قامت بتجميل الأزمة عبر وصفها ب"أزمة نازحين" في حين أنها كانت قد أضحت ازمة لاجئين. فوفق تعريف اتفاقية المفوضية السامية للأمم المتحدة ولشؤون اللاجئين الموقعة عام ١٩٥١، فإن اللاجئ هو شخص يوجد خارج بلد جنسيته أو بلد إقامته المعتادة، بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب العنصر، أو الدين، أو القومية، أو الانتماء إلى طائفة اجتماعية معينة، أو إلى رأي سياسي، ولا يستطيع بسبب ذلك الخوف أو لا يريد أن يستظل / تستظل بحماية ذلك البلد أو العودة إليه خشية التعرض للاضطهاد. وهذا ما ينطبق حرفيًا على اللاجئين السوريين في لبنان. ومن بين أسباب تعمّق الخلافات بين اللبنانيين حول موضوع اللاجئين هو انخراط لبنان في الحرب الدائرة رُحاها في سورية، بالرغم من ادعائه النأي بنفسه عنها. فالمشاركة الميدانية لحزب الله في المعارك هناك، والتي تندرج، وبالرغم من كافة التبريرات الغير منطقية التي اعطاها، تحت اطار الدفاع عن نظام بشار الأسد المتهاوي، دفع بخصوم هذا الأخير، المحليين منهم والدوليين، الى استغلال موضوع اللاجئين واستخدامه كورقة ضغط لابتزاز النظام، لذلك نراهم غير أبهين اليوم الى ضرورة حلّ هذه المعضلة. ولكن وبمكان ما، يجد وللأسف بعض اللبنانيين مصلحة له في ذلك. في المقابل، ونظرًا للخسائر الكبيرة التي يتكبدها النظام ونتيجة لانحسار سلطته أمام تعاظم الدور الروسي، يقوم هو بدوره باستغلال موضوع اللاجئين. فهذا النظام، وبالرغم مما يتعرض له شعبه من مزلة ومهانة في دول اللجوء، لم يُبادر يومًا الى الطلب من شعبه العودة الى بلاده، بل نراه، وكلما سنحت له الفرص الأمنية، لا يتوانى عن تهديد مواطنيه. كما انه ونظرًا لتحول الحرب في سورية، وبعد بضعة أشهر من اندلاعها، الى حرب مذهبية بين السنة والعلويين، يرى النظام أنه من الضروري عدم المبادرة الى تسّهيل عودة اللاجئين، ذو الأغلبية السنية، الى مناطقهم.بالإضافة الى ذلك، ومن خلال المعطيات المتعلقة بأحداث الحرب في سورية، نرى تحول هذه الأخيرة من حرب أهلية، كالتي شهدها لبنان، الى حرب إبادة شبيهة الى حدّ ما بالحرب التي دارت رُحاها في يوغسلافيا السابقة في تسعينيات القرن الماضي والتي لم تُفضي الى إجراء مصالحة، كما حدث في لبنان، بل إلى تقسيم البلاد. من هنا نرى، والى حدّ اليوم، وجود استحالة في مكان ما قيام مصالحة حقيقية بين نظام الأسد وخصومه المحليين. وفي مجال أخر، يجد النظام مصلحة كبيرة له في الإبقاء على هذه الأزمة في لبنان، نظرًا لما تمثلّه من مخاطر وجودية، وهو الذي ما انكفئ ومنذ انسحاب قواته من لبنان عام ٢٠٠٥ يحاول وبشتى الوسائل نقل أزماته الى لبنان، ولعل أبلغ مثال على ذلك هو ملف سماحة-مملوك وما كشفته الأجهزة الأمنية، بفضل التنسيق القائم بينها وبين أجهزة مخابرات دولية، حول التخطيط لخلق فتنة مسيحية-سنية في لبنان.

انطلاقا من كل هذه المعطيات، نرى انه، وللأسف، وجود تلاقي مصالح بين النظام السوري من جهة وخصومه المحليين والدوليين يعيق الى يومنا هذا عودة اللاجئين السوريين الى مناطقهم. كما إنه وانطلاقا من هذه المعطيات، لا نرى أن أي تواصل، مباشر او غير مباشر، بين الحكومة اللبنانية والنظام السوري سيُفضي الى حل هذه المسألة، بل إنه سيكون حصرًا بهدف تعويم نظام الأسد. لذلك نعتقد، ونظرًا للدور الروسي المتقدم في سورية، ان ليس امام الحكومة اللبنانية، وإن كانت فعلاً راغبة بحلّ هذه المسألة دون المتاجرة بها، أن تتواصل مع الروس بهدف تفعّيل المبادرة الروسية المتعلقة بعودة اللاجئين السوريين. كما على الحكومة اللبنانية أن تقتنع ولو لمرة واحدة أن لا حلّ لما يتعرض له لبنان من أزمات وجودية إلاّ باعتماد سياسة الحياد.

المصدر: Kataeb.org