المسيحيون والمسؤولية التاريخية

  • مقالات
المسيحيون والمسؤولية التاريخية

عديدة هي الاخطار التي تهدّد الكيان اللبناني، لكن اهمها هو ان يتخلى المسيحيون عن مسؤوليتهم عن هذا الانجاز التاريخي، يبقى او لا يبقى، بحدوده المعترف بها طبعا ً ولكن ايضا ً وفي المقام الاول بالغاية منه في هذه المنطقة من العالم .

أفما قيل انه، في المنطلق والاساس، مبادرة مسيحية تهدف الى اقامة دولة تحترم كل الاديان بدل ان تلتزم ديانة معينة كما هورائج في الشرق العربي والاسلامي ؟

كانت حرية المعتقد هي المسألة المطروحة، الحرية التي لا وطن لها ولا دولة تكفلها وتحميها وتجعل منها الغاية المحورية من وجودها . كان التسامح هو اقصى المستطاع، تسامح الدولة الدينية مع من ليس على دينها ، تارة يتسع صدرها وطورا ً يضيق، أمّا قيمة الانسان فبالقياس ذاته، تكبر او تصغر بحسب الظروف . وهذا ما كان يرفضه مؤسس الكتائب وزعيمها التاريخي بيار الجميل القائل دوما ً وابدا ً: " ان استقلال الوطن وسيادة الدولة لا معنى لهما اذا كانا لا يحميان حرية الفرد، حتى ضدّ المجموع ... ولا فرق بين ما يضغط على هذه الحرية ، سواء كان ضغطا ً وطنيا ً او اجنبيا ً، مصلحة ذاتية او مصلحة جماعية".

تلك كانت الغاية من تأسيس "دولة لبنان الكبير"، من الناقورة الى النهر الكبير، وكان ذلك بمبادرة مسيحية، بل مارونية، وعلى رأسها بطريرك انطاكية وسائر المشرق، البطريرك الماروني بالذات. أمّا التذكير بهذا الحدث التاريخ فليس للتشاوف على الآخرين بل للدلالة على عظم المسؤولية التي يتحمّلها المسيحيون على هذا الصعيد تجاه انفسهم وتجاه التاريخ ، وخصوصا ً في هذه الظروف، وفي صورة أخص وسط هذا الفراغ الذي تسبح فيه مؤسسات الكيان كلها وفي طليعتها رئاسة الجمهورية.

ومن المؤسف ألا ّ يكون السباق لملء الفراغ المشكو منه على مستوى الانجاز التاريخي العظيم،بل دونه باشواط ، وحيث شهوة السلطة تعمي البصائر وتجعل من مشروع الكيان كبلد حريات مشروع سلطة هيهات ان تدوم للمسيحيين فيها حقوق ومواقع وصلاحيات ،ينقسمون هم وكل اللبنانيين حولها ليصبحوا جميعا اشبه بتوابل في طبخة لا طعم لها ولا نكهة. أجل ، المرحلة تتطلب يقظة ، بل صرخة في وجه الذين جعلوا من الهيكل مغارة للصوص، وهم معروفون واحدا ً واحدا ً ولا ضرورة لأي مضبطة اتهام حولهامتنازلة سلفا ً عن قرارها المستقل. وهذا هو الخطر الكبير على الكيان الذي قيل عنه انه من اجل المسيحيين لكنه في الاساس من اجل حرية الضمير أو من اجل الانسان كقيمة مطلقة في المجتمع ، من اجل تحريره من القيود المادية والمعنوية التي تكبّله وتحرمه الحرية مع الكرامة.

 

المصدر: Kataeb.org