الى الرئيس الأعلى الشيخ بيار الجميّل 1905 - 1984

  • مقالات
الى الرئيس الأعلى الشيخ بيار الجميّل 1905 - 1984

ليس كل ما أكتبه، أو أنشره، هو استذكار للشهداء والقادة، مع أنه حقّ وواجب علي وعلى الآخرين، فمن قدّم الحياة فداءً عنا وعن الوطن يستحق الذكر والتحية، في كل صباح ومساء، وفي كل عيد ومناسبة. لكن تواتر الأحداث وتكاثرها وامتداداتها تعيدني في كل مرّة الى كتبي وأوراقي ومحفوظاتي التي أصبحت بين يدي كدوائي اليومي، أتناول منه ما ينبغي، فالحياة يجب أن تستمر، والمبادئ والقيَم يجب أن تبقى على صفحات الأثير، وأي أثير أعظم وأوسع من الفضاء الإفتراضي الجديد.

بيار الجميّل، الرئيس الأعلى، الرئيس المؤسس، الرئيس القائد، رجل الإستقلال، حامي الجمهورية، رجل الدولة، النائب والوزير، أب الشهداء، رفيق الدروب الصعبة، الرئيس الصخرة، الصخرة، حتى غدتّ كل صخرة من لبنان تسمى بيار الجميّل.

رجل التواضع، والإنسانية بعيد الرؤية، ثاقب النظر، وإن لم يكن فيلسوفاً أو صاحب نظريات إقتصادية أو دستورية ملهمة، فعلى الأقلّ كان صاحب صُدقْ ووفاء وحَدْث ، لم يخطئ لمرة واحدة، حتى في أصعب الأيام وأظلمها يوم نادى بالإستقلال وكان نصيبه السجن، ويوم لاقت طموحات الدول العربية آذاناً صاغية في لبنان عام 1954، فوقف المارد بوجه الطامعين، ويوم قاد الثورة المضادّة في عام 1958، ويوم وقف ضد إتفاق القاهرة عام 1969 لأنه ينتقص من كرامة الوطن واستقلاله، ويوم نجا من محاولات الإغتيال المتكرّرة التي تعرّض لها، ويوم مشى في طليعة المقاتلين مدافعاً عن أرض الكرامة والعنفوان، ويوم فرح بإنتصار البشر برئاسة الجمهورية، ويوم حمل بشير الى مثواه الأخير، كما حمل قبله أحفاده الصغار والكبار ورفاقه الكثر الشهداء. ويوم أعاد المجلس النيابي الثقة به وبالكتائب وانتخب الرئيس الشيخ أمين الجميّل لإستلام مقاليد الحكم ، في مغامرة كبرى دعاها "مغامرة الإنقاذ".

لن أرثي بيار الجميّل، وقد مرّت تسعة وعشرون سنة على انتقاله الى ديار الخلود السماوية، أكتب ما انطبع في ذهني من تاريخ وأحداث وقوافل أبطال وشهداء.

وما انطبع لدي أذكره في هذه المناسبة على اعتبار أنها تشكّل نقاطاً جوهرية وأساسية في مسيرة الكتائب التي طبَعَها بهامته وأسلوبه. ففي 20 آب 1954، وجّه الى رئيس الجمهورية آنذاك بياناً جاء فيه: " أردنا لبنان وطناً لا كنيسة ولا جامعاً، لقد أصبح السكوت من مرادفات خيانة الواجب، فإن الكتائب التي نشأت لبنانية وأرادت لبنان دار حريات ودولة علمانية يسعدها أن تنبري وتتصدى لأخطار الحركات الطائفية التي يقوم بها فريق من أبناء الوطن " .

وكتب في مناسبة أخرى عن لبنان الذي يؤمن به، وتؤمن به الكتائب: " إن لبنان لبناننا، لبنان الكتائب، ليس لبنان الكبير، وليس لبنان الصغير، إنه لبنان التاريخ، لبنان الستة آلاف سنة، لبنان اللبنانيين الأوائل الذين جاؤوا الى هذه الأرض ليجعلوها أرض حرية وإنسانية، وأرضاً لكل الرحال المتعطشين للحرية، وليس بلداً مسيحياً أو إسلامياً أو يهودياً، إن لبنان ليس أرضاً محدودة فقط، وليس دستوراً، إنه روح. وبهذه الروحية نفهم صيغة 1943، ولهذا الوطن ومن أجله ناضلنا حتى الموت. وإذا كان لبنان لم يعد كما نفهمه، فعلينا أن نجد صيغة أخرى ".

أيمان عميق وأفكار متقدّمة وفهمٌ عميق لواقع لبنان التاريخ والجغرافية والإنسان، لا تزال كلها صالحة وقائمة وصحيحة، حتى لحظتنا هذه، رغم مرور عشرات السنين على كتابتها ونشرها.

لهذا قال فيه البطريرك الماروني أنطوان عريضة في 1 تشرين الثاني 1961: "لقد رأيناكم يا رئيس الكتائب قبل فجر الإستقلال وفيه وبعده تطلقونها صيحة مجلجلة للحرية والكرامة والعزّة القومية، تزول في نظركم كل المصالح الشخصية والمآرب الذاتية ولا تحجمون عن بذل أي تضحية في سبيل قضية لبنان الثابتة" .

ويتابع البطريرك عريضة: " إن اللبنانيين الراقدين على أمل الحرية والإستقلال والأحياء الراتعين في ظلّهما ينظرون الينا واليكم مطمئنين آملين ساعة تعوز همّة ويلجّ وداع وتفتقد الطلائع" .

وقال فيه الكاردينال البطريرك مار انطونيوس بطرس خريش في الرقيم البطريركي: " دفع غالياً ثمن نضاله عن عقيدته وقد ضحّى في سبيل نصرتها من جهده وعافيته وراحته... أرقد بسلام أيها المجاهد الكبير، الى جانب من كان لك وللكثيرين من اللبنانيين على اختلاف المذاهب والمشارب مثار إعجاب ، إبنك الرئيس بشير الجميّل والى جانب آباء وأجداد أغنيت غناهم وتزيد وظفرت بما ظفروا لهم من أكاليل غار ، وارتَحْ مما عانيت واطمئنْ بالاً الى أمانة تركتها بين يدي من يخطو خطاك في المحافظة عليها ، الشيخ أمين الجميّل" .

كلام كثير ملأ صفحات الكتب والمنشورات من اليوم الذي أنشأ الكتائب ، ويوم قاوم، وأصيب، واستشهد من عائلته ورفاقه من استشهد، ويوم انتخب نجلاه لرئاسة الجمهورية ويوم انتقل عنا.

الحياة تنتهي بلحظة من الزمن، لكن المبادئ والتعاليم تبقى ما دام هناك من يحفظها ويعمل بمقتضاها.

رئيسي الأعلى،

رغم الصعوبات الكثيرة، أطمئنك أن الأمانة بخير وهي بين أيد صلبة، فحاملها أمين وعنيد .

 

 رحمك الله .

 وأبقـى لبنان

أنـطوان ريـشا 

المصدر: Kataeb.org