بواخر الكهرباء: ما هي هذه الدفاتر النموذجية وما هي مواصفاتها؟

  • مقالات
بواخر الكهرباء: ما هي هذه الدفاتر النموذجية وما هي مواصفاتها؟

تحت عنوان "بواخر الكهرباء.. ما هي هذه الدفاتر النموذجية وما هي مواصفاتها؟" كتبت الصحافية في جريدة النهار سلوى بعلبكي، انه في العام 2008، وتنفيذا لمندرجات مؤتمر باريس 3، قدم البنك الدولي الى وزارة المال منحة تتعلق بتطوير نظام لمتابعة المساعدات ومراقبتها وتطوير نظم إدارة مالية لتنفيذ المشاريع المموّلة من المانحين بما فيها التوريدات العامة (الصفقات). خصصت وزارة المال جزءا من هذه المنحة لإعداد دفاتر شروط نموذجية خاصة باللوازم والاشغال والخدمات التي يمكن أن تقوم بها الدولة، بغية تعزيز الشفافية في عملية المناقصات والشراء العام في لبنان، وعمدت من خلال هذه الهبة الى تحضير دفاتر شروط نموذجية شارك في إعدادها فريق من الخبراء الدوليين واللبنانيين، فتم إعداد نصوص لخمسة نماذج من دفاتر شروط، شارك في مراجعتها خبراء من مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإداريّة ومن ديوان المحاسبة وغيرها من الإدارات.

هذه الدفاتر عبارة عن وثائق موحدة تستخدم على صعيد وطني لإجراء عمليات التوريد العامة، ومن ضمنها الدليل الوطني الخاص بالصفقات العامة. وقد تم درس انواع المشتريات التي تقوم بها الدولة، وعلى اساس ذلك تم تحديد 5 دفاتر: دفتر شروط خاص نموذجي (مبسط) لإنجاز أشغال وخدمات ملحقة، ودفتر شروط خاص نموذجي لإنجاز أشغال (قيمتها أقل من 7.5 مليارات ليرة لبنانية أو ما يعادلها)، ودفتر شروط خاص نموذجي لاختيار الاستشاريين، ودفتر شروط خاص نموذجي (مبسط) لتوريد سلع ولوازم وتأمين الخدمات ذات الصلة، ودفتر شروط خاص نموذجي لتوريد لوازم وتقديم الخدمات ذات الصلة. ووضع مع هذه الدفاتر دليل يفسر كيفية إجراء هذه العملية والخطوات المفترض أن يقوم بها الاشخاص الذين يودون الدخول في عمليات الشراء التي تجريها الدولة. وكل هذه الوثائق مستوحاة من نماذج عالمية اثبتت نجاحها وملاءمتها لخلق اجواء منافسة عادلة تحقق وفرا للدولة وتزيد ثقة القطاع الخاص في نزاهة المنافسة وشفافيتها.

وتشير البعلبكي في مقالها الى ان عملية اعداد الدفاتر مرت بفترة تجريبية لمدة سنة ونصف سنة مع المسؤولين عن الشراء في المؤسسات والادارات العامة الذين وضعوا ملاحظاتهم واقتراحاتهم، ومن ثم ارسلتها وزارة المال بكتابها رقم 1442/ص1 تاريخ 28 أيار 2009 الى الامانة العامة لمجلس الوزراء لعرضها على الحكومة والموافقة عليها بغية اعتمادها بشكل الزامي في كل مناقصات الدولة بما فيها البلديات. ولكن للاسف لم توضع على جدول اعمال مجلس الوزراء حتى الآن. وفيما لم تعرف الاسباب الكامنة وراء عدم عرض المشروع على مجلس الوزراء، أو اذا كانت المشكلة من الأمانة العامة لمجلس الوزراء، أو "اللوبي" الذي لا يناسبه أن تعتمد الشفافية في دفاتر الشروط، إلا أن المؤكد أن الجميع يقرون بأن ثمة مشكلة كبيرة في موضوع الشراء العام وان المناقصات بالطريقة المعتمدة حاليا لا تلبي المعايير اللازمة.

أهمية الدفاتر النموذجية

من المعروف عالميا أن اعتماد دفاتر نموذجية تحوي متطلبات القوانين والمراسيم بشكل عملي منصوص عليه في وثيقة واحدة، يوحد تفاصيل التطبيق لدى كل الإدارات، ويحدّ من الأضرار الناجمة عن نقص الخبرة لدى معدّي الوثائق من موظفي الدولة، ويسهّل عملية المراجعة والتدقيق، كما يساعد العارضين في تقديم عروض مطابقة للشروط والمواصفات، ويفسح في المجال أمام دخول منافسين جدد في سوق الصفقات العامة التي تعتبر السوق الاكبر في كل دول العالم. لكن لبنان لا يزال من الدول القليلة التي لا تعتمد دفاتر شروط نموذجية، إذ ان آخر دفتر شروط رسمي أقر عام 1941 وهو باللغة الفرنسية ويتناول صفقات الأشغال الكبيرة فقط.

أمام هذا الواقع، وبما ان قانون المحاسبة قديم جدا ولم يطرأ عليه اي تعديلات جوهرية، وكذلك بالنسبة الى دفاتر الشروط التي هي أصلا من مهمات ادارة المناقصات، فإنه يصار الى اضافة تعديلات عليه حتى أصبح مع الوقت لكل وزارة أو مؤسسة عامة أو هيئة أو بلدية نموذج خاص بها. ولأن هذا النموذج يختلف في كل مرة، فإن العارضين يتريثون في المشاركة في مشاريع تعرضها الدولة.

تشيلي وتونس نموذجان

تظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ان حجم الشراء العام قد يصل الى 13% من الناتج المحلي في دول المنظمة، وقد تصل هذه النسبة الى 70% من مجموع الانفاق العام في الدول النامية والدول الخارجة من نزاعات. لذا يعتبر الشراء العام اداة رئيسية من أدوات السياسة العامة المالية، فهو يشكل مكونا اساسيا من مكونات اصلاح المالية العامة واحدى أدوات ترشيد الانفاق، كما أنه أداة محفزة للابتكار والتنافس وتنمية القطاع الخاص، وأداة محفزة لمشاركة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على نحو عادل وشفاف في العقود الحكومية.

تشيلي من الدول التي أدركت أهمية الشراء العام واستطاعت ان تقوم بنقلة نوعية باقتصادها من اقتصاد فاشل الى اقتصاد بنمو 8% بفضل استخدام اداة اساسية هي الشراء العام. فأجرت وزارة المال فيها منظومة واسعة تبدأ من اعتماد دفاتر شروط نموذجية بالتوازي مع اعتماد المكننة الكاملة في ادارة المناقصات، اضافة الى جدول سنوي بكل المناقصات التي تخطط الدولة المركزيّة واللامركزيّة للقيام بها بما يساعد الشركات والعارضين على تحضير أنفسهم قبل فترة ليست قصيرة من تاريخ التقدم للمناقصات. وهذا الانجاز لهيئة الشراء الحكومية في تشيلي "تشيلي كومبرا" خوّلها الحصول على جائزة الامم المتحدة للخدمة العامة واصبحت مثالا في كل العالم. وتجربة تشيلي شجعت تونس على اعتمادها، فقامت بعد الثورة مباشرة بمكننة عملية ادارة المناقصات التي كانت واحدة من نماذج الفساد الاساسية التي تسببت بالثورة في البلاد واستحدثت جهازا سمّته ( (Tunesp. اعتماد المكننة في المناقصات العامة يمكن تطبيقه بسهولة في لبنان، لأن بلادنا حاضرة تكنولوجيا قبل تشيلي وتونس. فلماذا ينام هذا الملف في الأدراج؟ ولماذا يصار إلى إعادة وضع دفاتر جديدة من هيئات حكومية مجددا بدل استثمار ما تم وضعه سابقاً وصرفت أموال وجهود لإنجازه؟

 

 

المصدر: النهار