خلافات "أندر كونترول" ورئاسة بانتظار أُعجوبة الحوار

  • مقالات
خلافات

كلامٌ، فصخبٌ، فحبالٌ، فشدُّ حبال، فتحاورٌ، فلحى، فبوس لحى. ثورةٌ برتقاليّة من هنا، وثورةُ خندقٍ غميق من هناك، وثورةٌ على سائر الالوان بانتظار التلوّن بصباغٍ ما من هناك. انتفاضةٌ على هذا، واستعراضٌ رئاسي لذاك، كلامٌ كلام، فقّاعات كلام، لا حكومة سَقطت، ولا سلطة أُسقطت، ولا رؤوس قُطفت، وحتّى لو أينعت وقد حان قطافُها، ولا خلع بالثلاثة، ولا بأصابع الموارنة الخمسة.

هذا حالنا، وحال الرسائل المشفّرة دبلوماسيًا، وحال حوار التسوية الرابض عند كل مفترق، وتحويلة طريق، ومكبّ على الطريق، كل شيء وله سقفه، يعلو أحياناً، ويخفُت أحياناً أُخرى، كل دُمية، وكلّهم دُمى، ولها خيطانها، تشدُّها بها أصابع غريبة، المهمّ لا فرقة بانتظار، ولا رئيس بانتظار، ولا تكوين نظام وسلطة بانتظار، ولا لبنان، ولا دولة، ولا ما ومن يحزنون بانتظار.
الحكومة باقية، وأيٌ من الهامات الكبيرة، أو القامات الصغيرة، لن يتجرّأ على اسقاطها أو الانسحاب منها، والذهاب بالبلاد الى خيار الفوضى، على غرار واقعة العام 1988، حينها خيّر المبعوث الأمركي ريشار مورفي، الأقطاب الموارنة، بين انتخاب ميخائيل الضاهر، أو الفوضى، يومها اختار سوادهم الأعظم الفوضى، على مدى سنتين، فكان طائف الوصاية السوريّة، الجائزة الكُبرى، مكافأةً على نظرتهم الثاقبة ورؤيتهم التبصريّة.
ولعلّ الغضب العارم، والحراك الشعبي المُحرَّك، والمتنقّل بين ساحة رياض الصلح وساحة الشهداء، فعلا فعلتهما، فتهيّأت الطاولة لتستقبل الأضداد، وكان لا بدّ من ذاك الحراك أن يستثير هواجس ومخاوف المقامات عندنا، على كراسيهم الهزّازة، فيبادروا الى العناق، ممسكين الواحد بيد الآخر، قبل أن تقتلع المقصلة قاطبة الرؤوس المتوّجة، دونما تمييز بين نبيلٍ وبين حاجبٍ، في قصر لويس السادس عشر وماري أنطوانيت.
لم يعد خفيّاً على أحد، أن لا ربط ولا حلّ لأيّ مشكلة في لبنان، صغيرة كانت أمّ كبيرة، دونما استجرار الأساطيل الأجنبيّة، والتي تتبدّل أسماؤها طبقاً لواقعة النفوذ، ومن أكثر تلك المشكلات تعقيداً واستعصاءً، الاستحقاق الرئاسي المفخّم، وذلك لمحاكاته العقل الماروني المسكون بهوس الرئاسة الأولى، وشغف قاطبة زعماء الموارنة، وكلّهم زعماء، منذ ما قبل ولادتهم، بذاك المنصب، وحتّى ولو خلا وتجرّد من كافة الصلاحيّات.
فمن بشارة الخوري الى ميشال سليمان، الحكاية هي هي، تأثيرٌ خارجي على الأفرقاء اللبنانيين، ترجيحاً لكفّة هذا أو ذاك، طبقاً للمصالح العليا، والصراعات الكُبرى، وقد يأتي أحياناً المولود الجديد، ثمرةً لتفاهم مجموعة من القوى الاقليميّة الفاعلة، كما كانت الحال مع الجنرال شهاب، والذي تمخّض انتخابه عن تفاهم أميركي مصري، لما كان للرئيس عبد الناصر يومذاك، من تأثيرٍ على الفئة اللبنانيّة المسلمة، وللأميركيين من مونة على المسيحيين. وأمّا جديد هذا الموسم، فتفاهم القوى الاقليميّة على اللارئاسة، أو على الاقلّ، تعطيل الاستحقاق الرئاسي، الى حين رسم معالم مستقبل المنطقة، وخريطة تقاسم النفوذ الخارجي.
كلّما أسرع المتحاورون الداخليون في استيلاد حلّ، أيّ حلّ لمعضلة الرئاسة، كلّما جنّبوا البلاد والعباد، المزيد من الانزلاق في مهاوي انحلال الجمهوريّة، وتفكّك أوصالها، وزوال معالم الدولة ومؤسّساتها، وكلّما أوصدوا الأبواب على أيّ مشروع خارجي، يقضي بلحاق لبنان بفوضى الاستنزاف العربي الخلاّق، لاحراقه بلهيب التناحر المذهبي الثائر، فقد لا يحمل الرئيس العتيد في سُحنته، وهيبته الحلّ السحري، لما يكتوي به اللبنانيون من مهالك ومصائب، وانّما هو بالتأكيد مفتاح بطرس للحلّ، فيه ومعه تتنشّط الحياة الدستوريّة، وينتظم العمل التشريعي، المدخل الالزامي لمطلق اصلاح، وتطوير في القوانين، ومن ثمّ تعديل في طبيعة النظام.
فيا أيّها الثائرون من كل الالوان، لا تضلّوا الطريق، ولا تضلّوا الساحات، ولا تضلّوا الوزارات، أن تحرّر وانقاذ اللبنانين من مسيرة الموت البطيء، وانقاذ لبنان من الاضمحلال، تبدأ بإعادة الرأس للدولة، فعندها وحدها تُنقذ البلاد من رائحة صدَأ الرؤوس المتعفّنة، فاسمعوا النداء، وصوّبوا الخيارات، ووجّهوا الأهداف...

المصدر: Kataeb.org