سلطةٌ ساقطة، ونظامٌ على وشك....

  • مقالات
سلطةٌ ساقطة، ونظامٌ على وشك....

وكلمة ساقطة، هي فاعلٌ لفعل سقط، والذي يعني بالمعنى القاموسي، وقع من اعلى الى اسفل، أو رسب، ولا علاقة لها بالكلمة العاميّة، الشائعة الاستعمال "ساقطة" للدلالة على حالة شاذة اجتماعيّاً، وانحرافٍ أخلاقي، وان كان في حالتنا، يجوز الاستعانة بسائر المعاني، وسائر القواميس، والمعاجم، والألفاظ، لوصف ما ابتلينا به من معاصي ومآسي.
ولعلّ مشهديّة الأكياس المتناثرة، والروائح العطرة المتصاعدة، تُنذرُ بنوعٍ آخر من السياحة، وروّادٍ من فصيلة الفئران والجرذان، وبغضّ النظر، عن المسبّبات، والصفقات، والرسائل "القُماميّة"، التي آلت الى ما نحن عليه اليوم، فالموضوع يُبشّر بانهيارٍ سلطويّ مؤسّساتي شامل، أو على أقلّ تقدير، يشكّل نموذجاً فوضويّ، لما ينتظرُهُ اللبنانيون، من عجزٍ، وضياع، وتخبّط، بُعيد مُطلق استحقاق مالي، أو نقدي، أو أمنيّ، أو حتّى طبيعيّ، قد يُداهم على حين غفلة السلطة الورقيّة عندنا، على غرار الواقعة اليونانيّة. الاّ أنّ كل هذا، وان دلّ على شيء، فهو على هشاشة النظام، ووهن الكيان، وفشل الخلطة العجية الفريدة اللبنانيّة، وما انتجته من مؤسّسات حُكمٍ، وعلى داء نقص المناعة، المستفحل في الجسم السلطويّ، والذي ينخُرُ بسرعةٍ قياسيّة، ما تبقّى من هرميّة شرعيّة دستوريّة، ومن مؤسّساتٍ ومرافىء عامة، بفعل طبيعة النظام، وما نجم عنه من مُحاصصة، ومُناكفة، وأسلابٍ، وأساليب، وأفعالٍ، وفظائع نرفض التصديق بحصولها، في جمهوريّة ديمقراطيّة دستوريّة.
ولئلاّ يقتصر كلامُنا على البكاء على الأطلال، أو على التوصيف، أو على التأمّل الساذج، بالنموذج المالي اليوناني، والنموذج السوري التقسيمي، وجدنا من الأنجع، غمس اصبعنا في لبّ المشكلة، وعدم الانصياع أو الانصات، للمحاذير والمحظورات، وحملات التخويف والتهويل من مؤتمرٍ تأسيسي، أو من مطلق خطوةٍ تمسّ بطبيعة الكيان وشكل النظام.
وممّا لا شكّ فيه، أنّ النظام السياسي اللبناني، المتوارث منذ زمن الاستقلال، وما قبله زمن الانتداب، قد وصل الى حائطٍ مسدود، بعد أن استنفد سائر الجرعات والحبوب الزرقاء المنشّطة، وسائر المساحيق التجميليّة المستخدمة من عجوزٍ شمطاء مُتصابية، واختبر كافة الحلول المؤقّتة، والتي تمخّضت عن مؤتمراتٍ سُمّيت بالانقاذيّة كالطائف والدوحة، مؤتمرات غبّ الطلب سرعان ما يلتئمُ جمعُها ومعهم الغيارى على لبنان، على وقع أزمةٍ سياسيّة داخليّة مستفحلة، أو على أزيز موجة عنفٍ، تُسمعُ صداها للمؤتمرين بطلبٍ، وأمرٍ منهم.
وهنا، يبرز خياران، تعلو أسهمهما، وتنخفض، ويُتداول بهما تارةً همساً، وتارةً علناً، بحسب الظروف، وحسب الاعتبارات و التسويات. النظام المدني، ويقضي بالغاء الطائفيّة السياسيّة، وتوحيد الأحول الشخصيّة لسائر أتباع الطوائف، فتتعاطى الدولة المعتمدة هذا النظام، مع مواطنيها على أساس المواطنة، من دون أيّ تمييزٍ تبعاً للدين أو العقيدة. غير أن النظام المدني العلماني ، وعلى الرغم من ايجابياته الجسام، تنتصب أمامه في لبنان، عوائق وعصيّ وعمامات وتيجان وعباءات أُرجوانيّة، ومربّعات ومحميّات طائفيّة ومناطقيّة وحزبيّة، فضلاً عن احتماليّة اصطدام الدولة المدنيّة، بالطائفيّة المجتمعيّة المستشرية في الجسم اللبناني منذ عهود، والخصوصيّة الطائفيّة الملاصقة للطائفيّة السياسيّة، والملحوظة في الدستور منذ العام1926 . وفي ظلّ مشهديّة التمييز الديني، والتطهير العرقي، والتهجير على الهويّة المذهبيّة، في دول الجوار وما بعد الجوار، يبدو خوف الأقليات الدينيّة الهاجسة بالامّحاء، وضياع حقوقها السياسيّة والمدنيّة في مجتمعات من لونٍ طائفي طاغٍ، المعوّق الأبرز لهكذا نظام.
وهنالك نظام آخر يُعرف بالفدراليّة، يدين به 41% من سكّان العالم، في دولٍ مستقرّة، لا تعيش صراعات وتجاذبات بين مكوّناتها، على ما هو الحال في لبنان، وبعض هذه الدول، هو ذات تركيبة تُشبه التركيبة اللبنانيّة، حيث هناك دينان اساسيّان، ومذاهب متفرّعة منهما، ولكلّ مذهب هويّة خاصة. ويعلّل المهلّلون لهذا النظام، خيارهم، بضرورة أن يُشبه مطلق نظام سياسي طبيعة المجتمع المنتمي اليه، وعليه يَرون أن الفدراليّة في لبنان، تضمن التعدديّة المجتمعيّة، وتكفل حقوقها، وتحمي مصالحها، فاذذاك تهمد نيران التوترات والتجاذبات الطائفيّة، على خلفيّة الخوف على الدور والوجود الفاعل. الاّ أنّ ثمّة من يرى أنّ الفدراليّة، هي الوجه الآخر للتقسيم، ذلك أنّ اللبانيين يفتقدون الى ثقافة التعايش معاً كأقليّة وأكثريّة في دولة فدراليّة، أو جنباً الى جنب كفدراليّات مستقلّة، ما يُشرّع كافة والاحتمالات، وينحو باتّجاه التقسيم.
أيّها السادة، كلّ الخيارات متاحة أمامكم، وكلّ الانظمة السياسيّة المعمول بها والغير معمول بها، جاهزة للاستعمال، وقابلة للبحث والتعديل والتطوير، ولكن لا مجال للخلاص في ظلّ الشياطين الكامنة في كلّ التفاصيل، وجُلّ ما عندنا، تفاصيل، وفصائل متناحرة.
فشرّعوا الأبواب لمؤتمر تأسيسي، قد يكون هو الحلّ، لحالة لبنان واللبنانيين المأساويّة، قبل أن تقطع اكياس النفايات المتراكمة الطريق على أي حلٍّ، وأيّ لبنان.....

المصدر: Kataeb.org